ابن أبي الحديد
90
شرح نهج البلاغة
فأوغرت صدورنا ، وشتت أمورنا ، وحملتنا على الجادة ( 1 ) التي كنا نرى أن سبيل مركبها النار . فقال علي عليه السلام : ( وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ) ( 2 ) ، يا أخا نهد ، وهل هو إلا رجل من المسلمين انتهك حرمة من حرم الله ، فأقمنا عليه حدا كان كفارته ! إن الله تعالى يقول : ( ولا يجرمنكم شنان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) ( 3 ) قال : فخرج طارق من عنده ، فلقيه الأشتر ، فقال : يا طارق ، أنت القائل لأمير المؤمنين : ( أوغرت صدورنا ، وشتت أمورنا ) ؟ قال طارق : نعم ، أنا قائلها قال : والله ما ذاك كما قلت ، إن صدورنا له لسامعة ، وإن أمورنا له لجامعة . فغضب طارق وقال : ستعلم يا أشتر أنه غير ما قلت ، فلما جنه الليل همس ( 4 ) هو والنجاشي إلى معاوية ، فلما قدما عليه ، دخل آذنه فأخبره بقدومهما ، وعنده وجوه أهل الشام ، منهم عمرو بن مرة الجهني وعمرو بن صيفي وغيرهما ، فلما دخلا نظر إلى طارق ، وقال : مرحبا بالمورق غصنه ، والمعرق أصله ، المسود غير المسود ، من رجل كانت منه هفوة ونبوة ، باتباعه صاحب الفتنة ، ورأس الضلالة والشبهة ، الذي اغترز في ركاب الفتنة حتى استوى على رجلها ، ثم أوجف في عشوة ظلمتها وتيه ضلالتها ، واتبعه رجرجة ( 5 ) من الناس ، وأشابة ( 6 ) من الحثالة لا أفئدة لهم : ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) ( 7 ) . فقام طارق ، فقال : يا معاوية إني متكلم فلا يسخطك ، ثم قال : وهو متكئ على سيفه : إن المحمود على كل حال رب علا فوق عباده ، فهم منه بمنظر ومسمع ، بعث فيهم
--> ( 1 ) الجادة : معظم الطريق ، وأوسطه . ( 2 ) سورة البقرة 45 . ( 3 ) سورة المائدة 8 . ( 4 ) الهمس : السير بالليل ( 5 ) الرجرجة : الجماعة الكثيرة من الناس ( 6 ) الأشابة : أخلاط الناس ( 7 ) سورة محمد 24