ابن أبي الحديد
81
شرح نهج البلاغة
وهذه الآية من الآيات التي نزل فيها القرآن بموافقة علي عليه السلام ، كما نزل في مواضع بموافقة عمر ، وسماه الله تعالى فاسقا في آية أخرى ، وهو قوله تعالى : ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) ( 1 ) ، وسبب نزولها مشهور ، وهو كذبه على بنى المصطلق ، وادعاؤه أنهم منعوا الزكاة وشهروا السيف ، حتى أمر النبي صلى الله عليه وآله بالتجهز ( 2 ) للمسير إليهم ، فأنزل الله تعالى في تكذيبه وبراءة ساحة القوم هذه الآية ( 3 ) . وكان الوليد مذموما معيبا عند رسول الله صلى الله عليه وآله يشنؤه ويعرض عنه ، وكان الوليد يبغض رسول الله صلى الله عليه وآله أيضا ويشنؤه ، وأبوه عقبة بن أبي معيط هو العدو الأزرق بمكة ، والذي كان يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه وأهله ، وأخباره في ذلك مشهورة ، فلما ظفر به يوم بدر ضرب عنقه . وورث ابنه الوليد الشنآن والبغضة ( 4 ) لمحمد وأهله فلم يزل عليهما إلى أن مات . قال الشيخ أبو القاسم : وهو أحد الصبية الذين قال أبو عقبة فيهم ، وقد قدم ليضرب عنقه : من للصبية يا محمد ؟ فقال : ( النار ، اضربوا عنقه ) . قال : وللوليد شعر يقصد فيه الرد على رسول الله صلى الله عليه وآله حيث قال : ( إن تولوها عليا ، تجدوه هاديا مهديا ) . قال : وذلك أن عليا عليه السلام لما قتل قصد بنوه أن يخفوا قبره خوفا من بنى أمية أن يحدثوا في قبره حدثا ، فأوهموا الناس في موضع قبره تلك الليلة - وهي ليلة دفنه - إيهامات مختلفة ، فشدوا على جمل تابوتا موثقا بالحبال ، يفوح منه روائح الكافور ، وأخرجوه من الكوفة في سواد الليل صحبة ثقاتهم ، يوهمون أنهم يحملونه إلى المدينة فيدفنونه عند فاطمة عليها السلام ، وأخرجوا بغلا وعليه جنازة ( 5 ) مغطاة ،
--> ( 1 ) سورة الحجرات 6 ( 2 ) ج : ( التجهيز ) . ( 3 ) أسباب النزول 291 ، 292 . ( 4 ) البغضة : شدة البغض . ( 5 ) الجنازة ، بالكسر وبفتح : الميت .