ابن أبي الحديد

52

شرح نهج البلاغة

قال إبراهيم : فأما جارية فإنه كلم قومه فلم يجيبوه ، وخرج إليه منهم أوباش ( 1 ) فناوشوه بعد أن شتموه وأسمعوه ، فأرسل إلى زياد والأزد ، يستصرخهم ويأمرهم أن يسيروا إليه فسارت الأزد بزياد ، وخرج إليهم ابن الحضرمي ، وعلى خيله عبد الله بن خازم السلمي ، فاقتتلوا ساعة ، وأقبل شريك بن الأعور الحارثي - وكان من شيعة علي عليه السلام ، وصديقا لجارية بن قدامة - فقال : ألا أقاتل معك عدوك ؟ فقال : بلى ، فما لبثت بنو تميم أن هزموهم واضطروهم إلى دار سنبيل السعدي ، فحصروا ابن الحضرمي وحدوه ، فأتى رجل من بنى تميم ، ومعه عبد الله بن خازم السلمي ، فجاءت أمه وهي سوداء حبشية اسمها عجلى ، فنادته ، فأشرف عليها ، فقالت : يا بنى ، انزل إلى ، فأبى فكشفت رأسها وأبدت قناعها ، وسألته النزول فأبى ، فقالت : والله لتنزلن أو لا تعرين ، وأهوت بيدها إلى ثيابها ( 2 ) ، فلما رأى ذلك نزل ، فذهبت به ، وأحاط جارية وزياد بالدار ، وقال جارية : على بالنار ، فقالت الأزد : لسنا من الحريق بالنار في شئ ، وهم قومك وأنت أعلم ، فحرق جارية الدار عليهم ، فهلك ابن الحضرمي في سبعين رجلا ، أحدهم عبد الرحمن بن عمير بن عثمان القرشي التيمي ، وسمى جارية منذ ذلك اليوم محرقا ، وسارت الأزد بزياد حتى أوطنوه قصر الامارة ، ومعه بيت المال ، وقالت له : هل بقي علينا من جوارك شئ ؟ قال : لا ، قالوا : فبرئنا منه ؟ فقال : نعم ، فانصرفوا عنه . وكتب زياد إلى أمير المؤمنين عليه السلام : أما بعد ، فإن جارية بن قدامة العبد الصالح قدم من عندك ، فناهض جمع ابن الحضرمي بمن نصره وأعانه من الأزد ، ففضه واضطره إلى دار من دور البصرة في عدد كثير من أصحابه ، فلم يخرج حتى حكم الله تعالى بينهما ، فقتل ابن الحضرمي وأصحابه ، منهم من أحرق بالنار ، ومنهم من ألقى عليه جدار ، ومنهم من هدم عليه البيت من أعلاه ، ومنهم من قتل بالسيف ، وسلم

--> ( 1 ) الأوباش : الأخلاط والسفلة من الناس . ( 2 ) ا ، ب : ( ساقها ) .