ابن أبي الحديد

50

شرح نهج البلاغة

فيكم بالكتاب والسنة وقصد الحق ، وأقم فيكم سبيل الهدى ، فوالله ما أعلم أن واليا بعد محمد صلى الله عليه وآله أعلم بذلك منى ، ولا أعمل بقولي . أقول قولي هذا صادقا ، غير ذام لمن مضى ، ولا منتقصا لأعمالهم ، وإن خبطت ( 1 ) بكم الأهواء المردية ، وسفه الرأي الجائر إلى منابذتي ، تريدون خلافي ! فها أنا ذا قربت جيادي ، ورحلت ركابي ، وأيم الله لئن ألجأتموني إلى المسير إليكم لأوقعن بكم وقعة ، لا يكون يوم الجمل عندها إلا كلعقة لاعق ، وإني لظان ألا تجعلوا - إن شاء الله - على أنفسكم سبيلا . وقد قدمت هذا الكتاب إليكم حجة عليكم ، ولن أكتب إليكم من بعده كتابا ، إن أنتم استغششتم نصيحتي ، ونابذتم رسولي ، حتى أكون أنا الشاخص نحوكم ، إن شاء الله تعالى . والسلام . قال : فلما قرئ الكتاب على الناس قام صبرة بن شيمان ، فقال : سمعنا وأطعنا ، ونحن لمن حارب أمير المؤمنين حرب ، ولمن سالم سلم ، إن كفيت يا جارية قومك بقومك فذاك ، وإن أحببت أن ننصرك نصرناك . وقام وجوه الناس فتكلموا بمثل ذلك ونحوه ، فلم يأذن لأحد منهم أن يسير معه ، ومضى نحو بنى تميم . فقام زياد في الأزد ، فقال : يا معشر الأزد ، إن هؤلاء كانوا أمس سلما ، فأصبحوا اليوم حربا ، وإنكم كنتم حربا فأصبحتم سلما ، وإني والله ما اخترتكم إلا على التجربة ، ولا أقمت فيكم إلا على الامل ، فما رضيتم أن أجرتموني ، حتى نصبتم لي منبرا وسريرا ، وجعلتم لي شرطا وأعوانا ، ومناديا وجمعة ، فما فقدت بحضرتكم شيئا إلا هذا الدرهم ، لا أجبيه اليوم ، فإن لم أجبه اليوم أجبه غدا إن شاء الله . واعلموا أن حربكم اليوم معاوية أيسر عليكم في الدنيا والدين من حربكم أمس عليا ، وقد قدم عليكم جارية بن قدامة ، وإنما أرسله على

--> ( 1 ) كذا في ا ، ج ، وفي ب : ( خطت ) .