ابن أبي الحديد
30
شرح نهج البلاغة
فاقتتلوا قتالا شديدا جل النهار ، ثم تراجعوا وقد انتصف بعضهم من بعض . ثم خرج في اليوم الثاني هاشم بن عتبة في خيل ورجال حسن عددها وعدتها ، فخرج إليه من أهل الشام أبو الأعور السلمي ، فاقتتلوا يومهم ذلك ، تحمل الخيل على الخيل والرجال على الرجال . ثم انصرفوا وقد صبر القوم بعضهم لبعض ، وخرج في اليوم الثالث عمار بن ياسر ، وخرج إليه عمرو بن العاص ، فاقتتل الناس كأشد قتال كان ، وجعل عمار يقول : يا أهل الشام ، أتريدون أن تنظروا إلى من عادى الله ورسوله وجاهدهما ، وبغى على المسلمين ، وظاهر المشركين . فلما أراد الله أن يظهر دينه ، وينصر رسوله أتى إلى النبي صلى الله عليه وآله فأسلم ، وهو والله فيما يرى راهب غير راغب . ثم قبض الله رسوله ، وإنا والله لنعرفه بعداوة المسلم ، ومودة المجرم ! ألا وإنه معاوية ، فقاتلوه والعنوه ، فإنه ممن يطفئ نور الله ، ويظاهر أعداء الله . قال : وكان مع عمار زياد بن النضر على الخيل ، فأمره أن يحمل في الخيل ، فحمل فصبروا ( 1 ) له ، وشد عمار في الرجالة ، فأزال عمرو بن العاص عن موقفه ، وبارز يومئذ زياد بن النضر أخا له ( 2 ) من بنى عامر يعرف بمعاوية بن عمرو العقيلي ، وأمهما هند الزبيدية ، فانصرف كل واحد منهما عن صاحبه بعد المبارزة سالما ، ورجع الناس يومهم ذلك ، * * * قال نصر : وحدثني ( 3 ) أبو عبد الرحمن المسعودي قال : حدثني يونس بن الأرقم ، عمن حدثه من شيوخ بكر بن وائل ، قال : كنا مع علي عليه السلام بصفين ، فرفع عمرو بن العاص شقة خميصة سوداء في رأس رمح ، فقال ناس : هذا لواء عقده له رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلم يزالوا يتحدثون حتى وصل ذلك إلى علي عليه السلام ، فقال :
--> ( 1 ) في الأصول : ( فصبر ) ، والصواب ما أثبته من صفين . ( 2 ) في الطبري : ( لامه ) . ( 3 ) صفين 241 .