ابن أبي الحديد
262
شرح نهج البلاغة
وقام إليه زهرة بن حوية - وهو يومئذ شيخ كبير لا يستتم قائما ، حتى يؤخذ بيده - فقال : أصلح الله الأمير ! إنك إنما تبعث الناس متقطعين ، فاستنفر إليهم الناس كافة ، وابعث عليهم رجلا متينا شجاعا مجربا ، يرى الفرار هضما وعارا ، والصبر مجدا وكرما . فقال الحجاج : فأنت ذاك ، فأخرج . فقال : أصلح الله الأمير ! إنما يصلح لهذا الموقف رجل يحمل الرمح والدرع ، ويهز السيف ، ويثبت على متن الفرس ، وأنا لا أطيق ذلك ، قد ضعفت وضعف بصرى ( 1 ولكن ابعثني مع أمير تعتمده ، فأكون في عسكره ، وأشير عليه برأيي 1 ) . فقال : ( 2 جزاك الله عن الاسلام والطاعة خيرا 2 ) ، لقد نصحت وصدقت ، وأنا مخرج الناس كافة ، ألا فسيروا أيها الناس . فانصرف الناس يتجهزون وينتشرون ، ولا يدرون من أميرهم . وكتب الحجاج إلى عبد الملك : أما بعد ، فإني أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله ، أن شبيبا قد شارف المدائن ، وإنما يريد الكوفة ، وقد عجز أهل العراق عن قتاله في مواطن كثيرة ، في كلها تقتل أمراؤهم ويفل خيولهم ( 3 ) وأجنادهم ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يبعث إلى جندا من جند الشام ليقاتلوا عدوهم ، ويأكلوا بلادهم فعل إن شاء الله . فلما أتى عبد الملك كتابه بعث إليه سفيان بن الأبرد في أربعة آلاف ، وبعث إليه حبيب ابن عبد الرحمن [ الحكمي ] ( 4 ) من ( 5 ) مذحج في ألفين وسرحهم نحوه حين أتاه الكتاب ( 6 ) .
--> ( 1 - 1 ) الطبري : ( ولكن أخرجني في الناس مع الأمير ، فإني إنما أثبت على الراحلة ، فأكون مع الأمير في عسكره ، وأشير عليه برأيي ) . ( 2 - 2 ) الطبري : ( جزاك الله عن الاسلام وأهله في أول الاسلام خيرا ، وجزاك الله عن الاسلام في آخر الاسلام خيرا ) . ( 3 ) الطبري : ( جنودهم ) . ( 4 ) من الطبري . ( 5 ) في الأصول . ( ابن ) ، وما أثبته من الطبري . ( 6 ) بعدها في الطبري : ( من الحجاج ) .