ابن أبي الحديد

254

شرح نهج البلاغة

لشأنك ، فإني أنفس بك عن القتل ، فأبى وخرج بنفسه ، ودعا إلى البراز ، فبرز له البطين ثم قعنب بن سويد ، وهو يأبى إلا شبيبا . فقالوا لشبيب : إنه قد رغب عنا إليك ، قال : فما ظنكم بمن يرغب عن الاشراف ! ثم برز له ، وقال له : أنشدك الله يا محمد في دمك ، فإن لك جوارا ! فأبى إلا قتاله ، فحمل عليه بعموده الحديد ، وكان فيه اثنا عشر رطلا ، فهشم رأسه وبيضة كانت عليه فقتله ، ونزل إليه فكفنه ودفنه ، وتتبع ما غنم الخوارج من عسكره ، فبعث به إلى أهله ، واعتذر إلى أصحابه ، وقال : هو جارى بالكوفة ، ولى أن أهب ما غنمت . فقال له أصحابه : ما دون الكوفة الان أحد يمنعك ، فنظر فإذا أصحابه قد فشا فيهم الجراح ، فقال : ( 1 ليس عليكم أكثر مما قد فعلتم 1 ) . وخرج بهم على نفر ( 2 ) ، ثم خرج بهم نحو بغداد ( 3 ) ، يطلب خانيجار ( 4 ) . وبلغ الحجاج أن شبيبا قد أخذ نحو نفر ، فظن أنه يريد المدائن ، وهي باب الكوفة ، ومن أخذ المدائن كان ما في يديه من أرض الكوفة أكثر ، فهال ذلك الحجاج ، وبعث إلى عثمان بن قطن ، فسرحه إلى المدائن ، وولاه منبرها والصلاة ومعونة جوخى كلها ، وخراج الأستان ، فجاء مسرعا حتى نزل المدائن ، وعزل الحجاج ابن أبي عصيفير عن المدائن ، وكان الجزل مقيما بها يداوى جراحاته ، وكان ابن أبي عصيفير يعوده ويكرمه ، ويلطفه ( 5 ) ، فلما قدم عثمان بن قطن لم يكن يتعاهده ولا يلطفه بشئ ، فكان الجزل يقول : اللهم زد ابن أبي عصيفير فضلا وكرما ، وزد عثمان بن قطن ضيقا وبخلا . * * *

--> ( 1 - 1 ) الكلام هنا يختلف عما في الطبري ، بالتقديم والتأخير واختلاف العبارات . ( 2 ) نفر ، بكسر أوله وتشديد ثانيه وفتحه وراء : بلدة أو قرية على نهر الترس ، من بلاد الفرس ، عن الخطيب ، فإن كان عنى أنه من بلاد الفرس قديما جاز ، فأما الان فهو من نواحي بابل بأرض الكوفة ( ياقوت ) . ( 3 ) في الطبري : ( ثم على الصراة ، ثم على بغداد ) . ( 4 ) بعدها في الطبري : ( فأقام بها ) . ( 5 ) ألطف فلان فلانا : أكرمه وبره وأتحفه .