ابن أبي الحديد

251

شرح نهج البلاغة

فوقفت بإزاء ميمنة زائدة بن قدامة ، وفيها زياد بن عمرو العتكي ، ومضت كتيبة فيها مصاد أخو شبيب ، فوقفت بإزاء الميسرة ، وفيها بشر بن غالب الأسدي ، وجاء شبيب في كتيبة ، حتى وقف مقابل القوم في القلب ، فخرج زائدة بن قدامة يسير في الناس بين الميمنة والميسرة ، يحرض الناس ، ويقول : عباد الله ! إنكم الطيبون الكثيرون ، وقد نزل بكم الخبيثون القليلون ، فاصبروا جعلت لكم الفداء ! إنما هي حملتان أو ثلاث ، ثم هو النصر ليس دونه شئ ، ألا ترونهم والله لا يكونون مائتي رجل ، إنما هم أكلة رأس ( 1 ) وهم السراق المراق ، إنما جاءوكم ليهريقوا دماءكم ، ويأخذوا فيئكم ، فلا يكونوا على أخذه أقوى منكم على منعه ، وهم قليل وأنتم كثير ، وهم أهل فرقة وأنتم أهل جماعة ، غضوا الابصار واستقبلوهم بالأسنة ، ولا تحملوا عليهم حتى آمركم . ثم انصرف إلى موقفه ، فحمل سويد بن سليم على زياد بن عمرو العتكي ، فكشف صفه ، وثبت زياد قليلا ثم ارتفع سويد عنهم يسيرا ثم كر عليهم ثانية ( 2 ) . فقال فروة بن لقيط الخارجي ( 3 ) : أطعنا ذلك اليوم ساعة فصبروا لنا حتى ظننت أنهم لن يزولوا ، وقاتل زياد بن عمرو قتالا شديدا ( 4 ) ، ولقد رأيت سويد بن سليم يومئذ وإنه لأشد العرب قتالا وأشجعهم ، وهو واقف لا يعرض لهم ، ثم ارتفعنا عنهم ، فإذا هم يتقوضون ، فقال بعض أصحابنا لبعض : ألا ترونهم يتقوضون ! احملوا ( 5 ) عليهم ، فأرسل إلينا شبيب : خلوهم لا تحملوا عليهم حتى يخفوا ، فتركناهم قليلا ، ثم حملنا عليهم الثالثة فانهزموا ، فنظرت إلى زياد بن عمرو ، وإنه ليضرب بالسيوف ( 6 ) ، وما من سيف يضرب به

--> ( 1 ) يقولون : هم أكلة رأس ، أي هم قليل يشبعهم رأس واحد . ( 2 ) في الطبري بعدها : ( فاطعنوا ساعة ) ( 3 ) في الطبري : ( قال أبو مخنف : فحدثني فروة ) ( 4 ) في الطبري بعدها : ( وجعل ينادى : يا خيلي ، ويشد بالسيف ، فيقاتل قتالا شديدا ) . ( 5 ) الطبري : ( احمل عليهم ) . ( 6 ) الطبري : ( بالسيف ) .