ابن أبي الحديد

242

شرح نهج البلاغة

الدهقان من طعامه حتى أحاط بها ابن مجالد ، فصعد الدهقان ، ثم نزل ، وقد تغير لونه ، فقال شبيب : ما بالك ؟ قال : قد جاءك جمع عظيم ، قال : أبلغ ( 1 ) شواؤك ؟ قال : لا ، قال : دعه يبلغ ، ثم أشرف الدهقان إشرافة أخرى ، ثم نزل فقال : قد أحاطوا بالجوسق ، قال : هات شواءك ، فجعل يأكل غير مكترث بهم ولا فزع ، فلما فرغ قال لأصحابه ، قوموا إلى الصلاة ، وقام فتوضأ ، فصلى بأصحابه صلاة الأولى ، ولبس درعه ، وتقلد سيفه ، وأخذ عموده الحديد ، ثم قال : أسرجوا لي بغلتي ، فقال أخوه : أفي مثل هذا اليوم تركب ( 2 ) بغلة ؟ قال : نعم ، أسرجوها ، فركبها ، ثم قال : يا فلان ، أنت على الميمنة ، وأنت يا فلان على الميسرة ، وأنت يا مصاد - يعنى أخاه - على القلب ، وأمر الدهقان ففتح الباب في وجوههم . فخرج إليهم وهو يحكم ( 3 ) ، وحمل حملة عظيمة ، فجعل سعيد وأصحابه يرجعون القهقرى ، حتى صار بينهم وبين الدير ميل ، وشبيب يصيح : أتاكم الموت الزؤام ! فاثبتوا ، وسعيد يصيح : يا معشر همدان ، إلى إلى ، أنا ابن ذي مران ! فقال شبيب لمصاد : ويحك ! استعرضهم استعراضا ، فإنهم قد تقطعوا ، وإني حامل على أميرهم ، وأثكلنيك الله إن لم أثكله ولده ، ثم حمل على سعيد فعلاه بالعمود ، فسقط ( 4 ) ميتا وانهزم أصحابه ، ولم يقتل يومئذ من الخوارج إلا رجل واحد . وانتهى قتل سعيد إلى الجزل ، فناداهم : أيها الناس ، إلى إلى ، وصاح عياض ابن أبي لينة : أيها الناس ، إن يكن أميركم هذا القادم هلك ، فهذا أميركم الميمون النقيبة ، أقبلوا إليه ، فمنهم من أقبل إليه ، ومنهم من ركب فرسه منهزما ، وقاتل الجزل يومئذ قتالا شديدا حتى صرع ، وحامى عنه خالد بن نهيك ، وعياض بن أبي لينة ، حتى استنقذاه

--> ( 1 ) الطبري : ( أبلغ الشواء ) وبلوغ الشواء : نضجه . ( 2 ) الطبري : ( تسرج ) . ( 3 ) التحكيم : قول الخوارج : ( لا حكم إلا لله ) . ( 4 ) في الأصول : ( ثم سقط ) ، والأجود ما أثبته من الطبري .