ابن أبي الحديد

229

شرح نهج البلاغة

الأمير ! تبعثني إلى رأس الخوارج [ منذ عشرين سنة ] ( 1 ) ، ومعه رجال سموا لي [ كانوا يعازوننا ] ( 1 ) ، وإن الرجل منهم خير من مائة فارس في خمسمائة ! فقال له : إني أزيدك خمسمائة ، فسر إليهم في ألف فارس . فسار من حران في ألف رجل ، وكأنما يساقون إلى الموت - وكان عدى رجلا ناسكا ( 2 ) - فلما نزل دوغان ( 3 ) نزل بالناس ، وأنفذ إلى صالح بن مسرح رجلا دسه إليه فقال : إن عديا بعثني إليك يسألك أن تخرج عن هذا البلد ، وتأتي بلدا آخر فتقاتل أهله ، فإني للقتال كاره ، فقال له صالح : ارجع إليه ، فقل له : إن كنت ترى رأينا ، فأرنا من ذلك ما نعرف ، ثم نحن مدلجون ( 4 ) عنك ، وإن كنت على رأى الجبابرة ، وأئمة السوء ، رأينا رأينا ، فإما بدأنا بك ، وإلا رحلنا إلى غيرك . فانصرف إليه الرسول ، فأبلغه ، فقال له عدى : ارجع إليه فقل له : إني والله لا أرى رأيك ، ولكني أكره قتالك وقتال غيرك من المسلمين ( 5 ) . فقال صالح لأصحابه : اركبوا ، فركبوا ، واحتبس الرجل عنده ، ومضى بأصحابه حتى أتى عديا في سوق دوغان ، وهو قائم يصلى الضحى ، فلم يشعر إلا بالخيل طالعة عليهم ، فلما دنا صالح منهم ، رآهم على غير تعبية ( 6 ) ، وقد تنادوا ، وبعضهم يجول في بعض ، فأمر شبيبا فحمل عليهم في كتيبة ، ثم أمر سويدا فحمل في كتيبة ، فكانت هزيمتهم ،

--> ( 1 ) من الطبري . ( 2 ) الطبري : ( يتنسك ) . ( 3 ) دوغان : قرية بين رأس عين ونصيبين ، كانت سوقا لأهل الجزيرة يجتمع إليها أهلها مرة في كل شهر . ( مراصد الاطلاع ) . ( 4 ) الدلج والدلجة : السير آخر لليل . ( 5 ) في الطبري بعدها : ( فقاتل غيري ) . ( 6 ) عبأ الجيش للحرب تعبئة : هيأه وجهزه ، يقال بالهمز وبغير الهمز .