ابن أبي الحديد

222

شرح نهج البلاغة

ثم قدم المهلب على الحجاج ، فأجلسه إلى جانبه ، وأظهر بره وإكرامه ، وقال : يا أهل العراق ، أنتم عبيد قن للمهلب ، ثم قال : أنت والله كما لقيط ( 1 ) : فقلدوا أمركم لله دركم * رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا ( 2 ) لا يطعم النوم إلا ريث يبعثه * هم يكاد حشاه يقصم الضلعا ( 3 ) لا مترفا إن رخاء العيش ساعده * ولا إذا عض مكروه به خشعا ( 4 ) ما زال يحلب هذا الدهر أشطره * يكون متبعا طورا ومتبعا ( 5 ) حتى استمرت على شرر مريرته * مستحكم الرأي لا قحما ولا ضرعا ( 6 ) وروى أنه قام إليه رجل فقال : أصلح الله الأمير ! والله لكأني أسمع الساعة قطريا وهو يقول لأصحابه : المهلب والله كما قال لقيط الأيادي ، ثم أنشد هذا الشعر . فسر الحجاج حتى امتلأ سرورا ، فقال المهلب : أما والله ما كنا أشد من عدونا ولا أحد ، ولكن دمغ الحق الباطل ، وقهرت الجماعة الفتنة ، والعاقبة للمتقين ( 7 ) ، وكان ما كرهناه من المطاولة خيرا لنا مما أحببناه من المعاجلة .

--> ( 1 ) هو لقيط بن يعمر الأيادي ، من قصيدة طويلة ، ذكرها ابن الشجري في مختاراته 1 - 6 ، أنذر فيها قومه من إياد بغز وكسرى ، وكان كاتبا في ديوانه ، وأولها : يا دار عمرة من محتلها الجرعا * هاجت لي الهم والأحزان والوجعا تامت فؤادي بذات الجزع خرعبة * مرت تريد بذات العذبة البيعا ( 2 ) رحب الذراع : يريد واسع الصدر متباعد ما بين المنكبين ، كناية عن قوته وشدة مراسه ، ومضطلعا : أي يحمل الامر ويقوم عليه . ( 3 ) ريث يبعثه ، أي مقدار ما يبعثه . ( 4 ) المترف : المتنعم السادر في ملاذه . ( 5 ) يحلب أشطره ، أي أنه اختبر ضروب الدهر من خير شر وحلو ومر . ( 6 ) المريرة من الحبال : ما طال واشتد فتله ، واستمرت استحكمت ، والشزر : الفتل إلى فوق ، خلاف اليسر ، وهو الفتل إلى أيسر ، والأول أحكم الفتلين ، ضرب ذلك مثلا لاستجماع قوته . والضرع : الصغير الضعيف ، والقحم : آخر سن الشيخ . ( 7 ) الكامل : ( للتقوى ) .