ابن أبي الحديد

209

شرح نهج البلاغة

فلما عظم الخطب في ذلك ( 1 ) الرمح بعث المهلب إلى المغيرة : خل لهم عن الرمح ، عليهم لعنة الله ! فخلوا لهم عنه ، ومضت الخوارج ، فنزلت على أربعة فراسخ من جيرفت ، فدخلها المهلب ، وأمر بجمع ما كان لهم من متاع ، وما خلفوه من دقيق ، وجثم عليه وهو والثقفي والأمينان ، ثم اتبعهم فوجدهم قد نزلوا على ماء وعين لا يشرب منها أحد إلا قوى ( 2 ) ، يأتي الرجل بالدلو قد شدها في طرف رمحه فيستقي بها ، وهناك قرية فيها أهلها ، فغاداهم القتال ، وضم الثقفي إلى ابنه يزيد ، وأحد الأمينين إلى المغيرة ، فاقتتل القوم إلى نصف النهار . وقال المهلب لأبي علقمة العبدي - وكان شجاعا ، وكان عاتيا هازلا - : أمددنا يا أبا علقمة بخيل اليحمد ، وقل لهم : فليعيرونا جماجمهم ساعة ، فقال : أيها الأمير ، إن جماجمهم ليست بفخار فتعار ، ولا أعناقهم كرادي ( 3 ) فتنبت . وقال : لحبيب بن أوس : كر على القوم ، فلم يفعل ، وقال : يقول لي الأمير بغير علم * تقدم حين جد به المراس فمالي إن أطعتك من حياة * ومالي غير هذا الرأس رأس ( 4 ) وقال لمعن بن المغيرة بن أبي صفرة : احمل ، فقال : لا ، إلا أن تزوجني ابنتك أم مالك ، فقال : قد زوجتك ، فحمل على الخوارج فكشفهم ، وطعن فيهم ، وقال : ليت من يشترى الحياة بمال * ملكة كان عندنا فيرانا ( 5 )

--> ( 1 ) الكامل : ( فيه ) . ( 2 ) الكامل : ( على عين لا يشرب منها إلا قوى ) . ( 3 ) في الأصول : ( كراث ) ، وصوابه من الكامل ، قال أبو الحسن الأخفش : ( تقول العرب لأعذاق النخل كراد ، وهو فارسي عرب ) . ( 4 ) في الكامل : نصب ( غير ) ، لأنه استثناء مقدم . ( 5 ) رواية الكامل : ليت من يشترى الغداة بمال * هلكه اليوم عندنا فيرانا