ابن أبي الحديد
197
شرح نهج البلاغة
فوقع الكتاب إلى قطري ، فدعا بأبزى ، فقال : ما هذا الكتاب ؟ قال : لا أدرى ، قال : فما هذه الدراهم ؟ قال : لا أعلم ، فأمر به فقتل . فجاءه عبد ربه الصغير مولى بنى قيس بن ثعلبة ، فقال له : أقتلت رجلا على غير ثقة ( 1 ) ولا تبين ! قال قطري : فما حال هذه الألف ؟ قال : يجوز أن يكون أمرها كذبا ، ويجوز أن يكون حقا ، فقال قطري : إن قتل رجل في صلاح الناس غير منكر ، وللامام أن يحكم بما رآه صلاحا ، وليس للرعية أن تعترض عليه . فتنكر له عبد ربه في جماعة معه ، ولم يفارقوه . وبلغ ذلك المهلب فدس إليهم رجلا نصرانيا ، جعل له جعلا يرغب في مثله ، وقال له : إذا رأيت قطريا فاسجد له ، فإذا نهاك فقل : إنما سجدت لك ، ففعل ذلك النصراني ، فقال قطري : إنما السجود لله تعالى ، فقال ما سجدت إلا لك ، فقال رجل من الخوارج : إنه قد عبدك من دون الله ، وتلا : ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ) ( 2 ) ، فقال قطري : إن النصارى قد عبدوا عيسى بن مريم ، فما ضر عيسى ذلك شيئا . فقام رجل من الخوارج إلى النصراني فقتله ، فأنكر قطري ذلك عليه ، وأنكر قوم من الخوارج إنكاره . وبلغ المهلب ذلك ، فوجه إليهم رجلا يسألهم ، فأتاهم الرجل ، فقال : أرأيتم رجلين خرجا مهاجرين إليكم ، فمات أحدهما في الطريق ، وبلغ الاخر إليكم فامتحنتموه فلم يجز المحنة ، ما تقولون فيهما ؟ فقال بعضهم : أما الميت فمؤمن من أهل الجنة ، وأما الذي لم يجز المحنة فكافر حتى يجيز المحنة . وقال قوم آخرون : بل هما كافران حتى يجيز المحنة ، فكثر الاختلاف . وخرج قطري إلى حدود إصطخر ، فأقام شهرا ، والقوم في اختلافهم . ثم أقبل فقال
--> ( 1 ) ج : ( وثيقة ) . ( 2 ) سورة الأنبياء 98