ابن أبي الحديد

192

شرح نهج البلاغة

في ذلك لنا ، فلم نطعه ، ولبس سلاحه واتبعه جماعة من العسكر ، فصاروا إليه ، فإذا المهلب والمغيرة ولا ثالث لهما ، فقالوا : انصرف أيها الأمير فنحن نكفيك إن شاء الله ، فلما أصبحوا إذا هم بالشراة على العقبة ، فخرج إليهم غلام من أهل عمان على فرس ، فجعل يحمل وفرسه تزلق ، ويلقاه مدرك في جماعة معه ، حتى ردوهم عن العقبة . فلما كان يوم النحر والمهلب على المنبر يخطب الناس ، إذ الشراة قد أكبوا ( 2 ) ، فقال المهلب : سبحان الله ! أفي مثل هذا اليوم ! يا مغيرة اكفنيهم : فخرج إليهم المغيرة ، وأمامه سعد بن نجد القردوسي ( 3 ) وكان سعد مقدما في شجاعته ، وكان الحجاج ( 4 ) إذا ظن برجل أن نفسه قد أعجبته قال له : لو كنت سعد بن نجد القردوسي ما عدا ( 5 ) ! فخرج أمام المغيرة ، ومع المغيرة جماعة من فرسان المهلب ، فالتقوا ، وأمام الخوارج غلام جامع السلاح ، مديد القامة ، كريه الوجه ، شديد الحملة ، صحيح الفروسية ، فأقبل يحمل على الناس ، ويرتجز فيقول : نحن صبحناكم غداة النحر * بالخيل أمثال الوشيج تجرى ( 6 ) فخرج إليه سعد بن نجد القردوسي ، من الأزد ، فتجاولا ساعة ثم طعنه سعد فقتله ، والتقى الناس ، فصرع المغيرة يومئذ ، فحامي عليه سعد بن نجد ودينار السجستاني ( 7 ) وجماعة من الفرسان ، حتى ركب وانكشف الناس عند سقطة المغيرة حتى صاروا إلى المهلب ، فقالوا : قتل المغيرة ، فأتاه دينار السجستاني ، فأخبره بسلامته ، فأعتق كل مملوك كان بحضرته .

--> ( 1 ) الشراة : الخوارج ، قال الجوهري : سموا بذلك لقولهم : إنا شرينا أنفسنا في طاعة الله ، أي بعناها بالجنة حين فارقنا الأئمة الجائرة . ( 2 ) الكامل : ( تألبوا ) . ( 3 ) في الأصول : ( الفردوسي ) ، تصحيف صوابه من الكامل ، وقردوس : قبيلة من الأزد . ( 4 ) الكامل : ( المهلب ) . ( 5 ) أي ما تجاوز إعجابك إعجابه . ( 6 ) الوشيج : ما نبت من شجر الرماح ملتفا دخل بعضه في بعض ، أو ما صلب فيه . ( 7 ) الكامل : ( السختياني ) .