ابن أبي الحديد
188
شرح نهج البلاغة
فوجد بنى تميم أيقاظا متحارسين ، وخرج إليهم الحريش بن هلال ، وهو يقول : وجدتمونا وقرا أنجادا * لا كشفا ميلا ولا أوغادا ( 1 ) ثم حمل على الخوارج ، فرجعوا عنه ، فاتبعهم ثم صاح بهم : إلى أين يا كلاب النار ! فقالوا : إنما أعدت لك ولأصحابك ، فقال الحريش : كل مملوك لي حر إن لم تدخلوا النار ، ما دخلها مجوسي فيما بين سفوان ( 2 ) وخراسان . ثم قال بعضهم لبعض : نأتى عسكر ابن مخنف ، فإنه لا خندق عليه ، وقد بعث فرسانهم اليوم مع المهلب ، وقد زعموا أنا أهون عليهم من ضرطة جمل . فأتوهم فلم يشعر ابن مخنف وأصحابه ، إلا وقد خالطوهم في عسكرهم . وكان ابن مخنف شريفا ، وفيه يقول رجل من بنى عامر لرجل يعاتبه ، ويضرب بابن مخنف المثل : تروح وتغدو كل يوم معظما * كأنك فينا مخنف وابن مخنف فترجل عبد الرحمن تلك الليلة يجالدهم ، حتى قتل وقتل معه سبعون رجلا من القراء ، فيهم نفر من أصحاب علي بن أبي طالب ، ونفر من أصحاب ابن مسعود . وبلغ الخبر المهلب - وجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف عند المهلب - فجاءهم مغيثا فقاتل حتى ارتث ( 3 ) ، ووجه المهلب إليهم ابنه حبيبا ، فكشفهم ، ثم جاء المهلب حتى صلى على عبد الرحمن بن مخنف وأصحابه ، وصار جنده في جند المهلب ، فضمهم إلى ابنه حبيب ، فعيرهم البصريون ، وسموا جعفرا خضفة الجمل .
--> ( 1 ) في الكامل : ( قوله ) : وجدتم وقرا ، جمع وقور ، والنجد : ضد البليد ، وهو المتيقظ الذي لا كسل عنده ولا فتور . والأميل ، فيه قولان : قالوا : الذي لا يستقر على الدابة ، وقالوا : الذي لا سيف معه . والا كشف : الذي لا ترس معه . والأجم : الذي لا رمح معه ، والحاسر : الذي لا درع عليه . والأعزل : الذي لا يتقوم على هر الدابة . والوغد : الضعيف ) . وذكر بعده هذا البيت : هيهات لا تلفوننا رقادا * لا بل إذا صيح بنا آسادا ( 2 ) سفوان ، بفتحتين : ماء على قدر مرحلة من مربد البصرة . ( 3 ) المرتث : الذي يحمل من المعركة جريحا وبه رمق .