ابن أبي الحديد
145
شرح نهج البلاغة
جميع أهل البصرة ؟ اجتمعوا إلى في غد لأنظر . وجاء الزبير حتى نزل على البصرة ، وعقد الجسر ليعبر إليها ، فخرج أكثر أهل البصرة إليه ، وانضم إلى الزبير جميع كور الأهواز وأهلها رغبة ورهبة ، فوافاه البصريون في السفن وعلى الدواب ( 1 ) ، فاسودت بهم الأرض ، فقال الزبير لما رآهم : أبى قومنا إلا كفرا ، وقطع الجسر ، وأقام الخوارج بإزائهم ، واجتمع الناس عند القباع ، وخافوا الخوارج خوفا شديدا ، وكانوا ثلاث فرق : سمى قوم المهلب ، وسمى قوم مالك بن مسمع ، وسمى قوم زياد بن عمرو بن أشرف العتكي ، فاختبر القباع ما عند مالك وزياد ، فوجدهما متثاقلين عن الحرب ، وعاد إليه من أشار بهما ، وقالوا : قد رجعنا عن رأينا ، ما نرى لها إلا المهلب ، فوجه إليه القباع فأتاه ، فقال له : يا أبا سعيد ، قد ترى ما قد رهقنا من هذا العدو ، وقد أجمع أهل مصرك عليك ، وقال له الأحنف : يا أبا سعيد ، إنا والله ما آثرناك ، ولكنا لم نر من يقوم مقامك . ثم قال القباع - وأومأ إلى الأحنف - : إن هذا الشيخ لم يسمك إلا إيثارا للدين والبقيا ( 2 ) وكل من في مصرك ماد عينه إليك ، راج أن يكشف الله عنه هذه الغمة بك ، فقال المهلب : لا حول ولا قوة إلا بالله ، إني عند نفسي لدون ما وصفتم ، ولست آبي ما دعوتم إليه ، لكن لي شروطا أشترطها ، قالوا : قل ، قال : على أن أنتخب من أحببت ! قال الأحنف : ذاك لك ، قال : ولى إمرة كل بلد أغلب عليه ! قالوا : لك ذلك ، قال : ولى فئ كل بلد أظفر به ! قال الأحنف : ليس ذاك لك ولا لنا ، إنما هو فئ للمسلمين فإن سلبتهم إياه كنت عليهم كعدوهم ، ولكن لك أن تعطى أصحابك من فئ كل بلد تغلب عليه ما أحببت ، وتنفق منه على محاربة عدوك ، فما فضل عنكم كان للمسلمين ، فقال المهلب : لا حول ولا قوة إلا بالله ! فمن لي بذلك ؟ قال الأحنف : نحن وأميرك وجماعة أهل مصرك ، قال : قد قبلت . فكتبوا بينهم بذلك كتابا ، ووضع على يدي الصلت بن حريث بن جابر الجعفي ، وانتخب المهلب من جميع الأخماس ، فبلغت نخبته اثنى عشر ألفا ، ونظروا في بيت المال ،
--> ( 1 ) في الكامل بعد هذه الكلمة : ( ورجالة ) . ( 2 ) كذا في ج . وفي ا ، ب : ( التقى ) ، وهي ساقطة من الكامل .