ابن أبي الحديد
115
شرح نهج البلاغة
عليه السلام هي السنة التي بدئ فيها برسالة رسول الله صلى الله عليه وآله ، فأسمع الهتاف من الأحجار والأشجار ، وكشف عن بصره ، فشاهد أنوارا وأشخاصا ، ولم يخاطب فيها ( 1 ) بشئ . وهذه السنة هي السنة التي ابتدأ فيها بالتبتل والانقطاع والعزلة في جبل حراء ، فلم يزل به حتى كوشف بالرسالة ، وأنزل عليه الوحي ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يتيمن بتلك السنة وبولادة علي عليه السلام فيها ، ويسميها سنة الخير وسنة البركة ، وقال لأهله ليلة ولادته ، وفيها شاهد ما شاهد من الكرامات والقدرة الإلهية ، ولم يكن من قبلها شاهد من ذلك شيئا : ( لقد ولد لنا الليلة مولود يفتح الله علينا به أبوابا كثيرة من النعمة والرحمة ) ، وكان كما قال صلوات الله عليه ، فإنه عليه السلام كان ناصره والمحامي عنه وكاشف الغماء ( 2 ) عن وجهه ، وبسيفه ثبت دين الاسلام ، ورست دعائمه ، وتمهدت قواعده عليه السلام . وفي المسألة تفسير آخر ، وهو أن يعنى بقوله عليه السلام : ( فإني ولدت على الفطرة ) ، أي على الفطرة التي لم تتغير ولم تحل ، وذلك أن معنى قول النبي صلى الله عليه وآله : ( كل مولود يولد على الفطرة ) أن كل مولود فإن الله تعالى قد هيأه بالعقل الذي خلقه فيه وبصحة الحواس والمشاعر لان يعلم التوحيد والعدل ، ولم يجعل فيه مانعا يمنعه عن ذلك ، ولكن التربية والعقيدة في الوالدين والألف لاعتقادهما وحسن الظن فيهما يصده عما فطر عليه ، وأمير المؤمنين عليه السلام دون غيره ، ولد على الفطرة التي لم تحل ولم يصد عن مقتضاها مانع ، لا من جانب الأبوين ولا من جهة غيرهما ، وغيره ولد على الفطرة ، ولكنه حال عن مقتضاها ، وزال عن موجبها . ويمكن أن يفسر بأنه عليه السلام أراد بالفطرة العصمة ، وأنه منذ ولد لم يواقع قبيحا ،
--> ( 1 ) ج : ( منها ) . ( 2 ) ج : ( الغم ) .