ابن أبي الحديد
67
شرح نهج البلاغة
على أمورهم ، وطالبوه بأن يعتزل ، لأنه ( 1 ) مستول عليهم بغير حق فامتنع من ذلك ، ويكون فائدة هذا الكلام التبرؤ من مباشرة قتله ، والامر به على سبيل التفصيل أو النهى عنه . ويجوز أن يريد أنني ما أحببت قتله ، إن كانوا تعمدوا القتل ، ولم يقع على سبيل الممانعة وهو غير مقصود . ويريد بقوله : ( ما كرهته ) أنى لم أكرهه على كل حال ، ومن كل وجه . فأما لعنه قتلته فقد بينا أنه ليس بظاهر ظهور ما ذكرناه ، وإن صح فهو مشروط بوقوع القتل على الوجه المحظور من تعمد له ، وقصد إليه وغير ذلك ، على أن المتولي للقتل على ما صحت به الرواية كنانة بن بشير التجيبي ، وسودان بن حمران المرادي ، وما منهما من كان غرضه صحيحا في القتل ، ولا له أن يقدم عليه ، فهو ملعون به . فأما محمد بن أبي بكر ، فما تولى قتله ، وإنما روى أنه لما جثا بين يديه قابضا على لحيته ، قال له : يا ابن أخي ، دع لحيتي ، فإن أباك لو كان حيا لم يقعد منى هذا المقعد ، فقال محمد : إن أبى لو كان حيا ثم يراك تفعل ما تفعل لا نكره عليك ، ثم وجاه ( 2 ) بجماعة قداح كانت في يده فحزت في جلده ولم تقطع ، وبادره من ذكرناه في قتله بما كان فيه قتله . فأما تأويله قول أمير المؤمنين عليه السلام : ( قتله الله وأنا معه ) ، على أن المراد به ، الله أماته وسيميتني ، فبعيد من الصواب ، لان لفظة ( أنا ) لا تكون كناية عن المفعول ، وإنما تكون كناية عن الفاعل ، ولو أراد ما ذكره لكان يقول : ( وإياي معه ) ، وليس له أن يقول : إننا نجعل قوله : ( وأنا معه ) مبتدأ محذوف الخبر ، ويكون تقدير الكلام : ( وأنا معه مقتول ) ، وذلك لان هذا ترك للظاهر وإحالة على ما ليس فيه ، والكلام إذا أمكن حمله على معنى يستقل ظاهره به من غير تقدير وحذف كان أولى مما يتعلق بمحذوف ، على أنهم إذا جعلوه مبتدأ وقدروا خبرا لم يكونوا بأن يقدروا ما يوافق مذهبهم بأولى من تقدير خلافه ، ويجعل بدلا من لفظة ( المقتول ) المحذوفة لفظة ( معين ) أو ( ظهير ) .
--> ( 1 - 1 ) ب : ( لأنه مسؤول عليه بحق ) وما أثبته من ا ، ج وكتاب الشافي . ( 2 ) وجأه : ضربه .