ابن أبي الحديد

36

شرح نهج البلاغة

وصك ( 1 ) بذلك على عبد الله بن الأرقم - وكان خازن بيت المال - فاستكثره ورد الصك به . ويقال : إنه سأل عثمان أن يكتب عليه بذلك كتابا ، فأبى وامتنع ابن الأرقم أن يدفع المال إلى القوم ، فقال له عثمان : إنما أنت خازن لنا ، فما حملك على ما فعلت ؟ فقال ابن الأرقم : كنت أراني خازن المسلمين ، وإنما خازنك غلامك ، والله لا إلى لك بيت المال أبدا ، وجاء بالمفاتيح فعلقها على المنبر ، ويقال : بل ألقاها إلى عثمان ، فرفعها إلى نائل مولاه . وروى الواقدي ان عثمان أمر زيد بن ثابت أن يحمل من بيت مال المسلمين إلى عبد الله بن الأرقم في عقيب هذا الفعل ثلاثمائة ألف درهم ، فلما دخل بها عليه ، قال له : يا أبا محمد ، إن أمير المؤمنين أرسل إليك يقول : إنا قد شغلناك عن التجارة ، ولك ذوو رحم أهل حاجة ، ففرق هذا المال فيهم ، واستعن به على عيالك ، فقال عبد الله بن الأرقم : ما لي إليه حاجة ، وما عملت لان يثيبني عثمان ، والله إن كان هذا من بيت مال المسلمين ما بلغ قدر عملي أن أعطى ثلاثمائة ألف ، ولئن كان من مال عثمان ما أحب أن أرزأه ( 2 ) من ماله شيئا . وما في هذه الأمور أوضح من أن يشار إليه وينبه عليه . فأما قوله : ولو صح أنه أعطاهم من بيت المال لجاز أن يكون ذلك على طريق القرض ، فليس بشئ ، لان الروايات أولا تخالف ما ذكره ، وقد كان يجب لما نقم عليه وجوه الصحابة إعطاء أقاربه من بيت المال ، أن يقول لهم : هذا على سبيل القرض ، وأنا أرد عوضه ، ولا يقول ما تقدم ذكره ، من أنني أصل به رحمي ، على أنه ليس للامام أن يقترض ( 3 ) من بيت مال المسلمين إلا ما ينصرف في مصلحة لهم مهمة ، يعود عليهم نفعها ، أو في سد خلة وفاقة لا يتمكنون من القيام بالامر معها ، فأما أن يقرض المال ليتسع به ،

--> ( 1 ) صك : كتب ، والصك : الكتاب . ( 2 ) ما أحب أن أرزأه ، أي ما أحب أن أصيب منه شيئا . ( 3 ) أي يقترض هو ليعطى ، وأن يدفع عوضه له من ماله ، وانظر س 1 - 3 من ص 34 من هذا الجزء