ابن أبي الحديد

32

شرح نهج البلاغة

عثمان قال في جواب هذا التعنيف والتوبيخ من أبى بكر وعمر : إن عندي عهدا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ، لا أستحق معه عتابا ولا تهجينا ، وكيف تطيب نفس مسلم موقر لرسول الله صلى الله عليه وسلم معظم له ، أن يأتي إلى عدو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مصرح بعداوته والوقيعة فيه ، حتى بلغ به الامر إلى أن كان يحكى مشيته ، طرده رسول الله ، وأبعده ولعنه ، حتى صار مشهورا بأنه طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيكرمه ويرده إلى حيث أخرج منه ، ويصله بالمال العظيم : إما من مال المسلمين أو من ماله ! إن هذا لعظيم كبير قبل التصفح والتأمل والتعلل بالتأويل الباطل ! فأما قول صاحب ، ، المغني ، ، إن أبا بكر وعمر لم يقبلا قوله لأنه شاهد واحد ، وجعلا ذلك بمنزلة الحقوق التي تخص ، فأول ما فيه أنه لم يشهد عندهما بشئ واحد في باب الحكم على ما رواه جميع الناس ، ثم ليس هذا من باب الذي يحتاج فيه إلى الشاهدين ، بل هو بمنزلة كل ما يقبل فيه أخبار الآحاد . وكيف يجوز أن يجرى أبو بكر وعمر مجرى الحقوق ما ليس منها ! وقوله : لا بد من تجويز كونه صادقا في روايته ، لان القطع على كذب روايته لا سبيل إليه ليس بشئ ، لأنا قد بينا أنه لم يرو عن الرسول صلى الله عليه وسلم إذنا ، إنما ادعى أنه أطمعه في ذلك . وإذا جوزنا كونه صادقا في هذه الرواية ، بل قطعنا على صدقه لم يكن معذورا . فأما قوله : الواجب على غيره ألا يتهمه إذا كان لفعله وجه يصح عليه ، لانتصابه منصبا يزيل التهمة ، فأول ما فيه أن الحاكم لا يجوز أن يحكم بعلمه مع التهمة ، والتهمة قد تكون لها أمارات وعلامات ، فما وقع منها عن أمارات وأسباب تتهم في العادة كان مؤثرا ، وما لم يكن كذلك فلا تأثير له ، والحكم هو عم عثمان ، وقريبه ونسيبه ، ومن