ابن أبي الحديد

28

شرح نهج البلاغة

كيف لم يمنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عثمان ؟ فقال : إنما قتله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله . وروى عن أبي سعيد الخدري ، أنه سئل عن مقتل عثمان : هل شهده أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ؟ فقال : نعم ، شهده ثمانمائة . وكيف يقال : إن القوم كانوا كارهين ، وهؤلاء المصريون كانوا يغدون إلى كل واحد منهم ، ويروحون ويشاورونه فيما يصنعونه ! هذا عبد الرحمن بن عوف وهو عاقد الامر لعثمان ، وجالبه إليه ، ومصيره في يده ، يقول - على ما رواه الواقدي ، وقد ذكر له عثمان في مرضه الذي مات فيه - : عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه ، فبلغ ذلك عثمان فبعث إلى بئر كان عبد الرحمن يسقى منها نعمه ، فمنع منها ، ووصى عبد الرحمن ألا يصلى عليه عثمان ، فصلى عليه الزبير - أو سعد بن أبي وقاص - وقد كان حلف لما تتابعت أحداث عثمان ألا يكلمه أبدا . وروى الواقدي ، قال : لما توفى أبو ذر بالربذة ( 1 ) تذاكر أمير المؤمنين عليه السلام وعبد الرحمن فعل عثمان ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام له : هذا عملك ! فقال عبد الرحمن : فإذا شئت فخذ سيفك وآخذ سيفي ، إنه خالف ما أعطاني . فأما محمد بن مسلمة ، فإنه أرسل إليه عثمان يقول له عند قدوم المصريين في الدفعة الثانية : أردد عنى ، فقال : لا والله لا أكذب الله في سنة مرتين ، وإنما عنى بذلك أنه كان أحد من كلم المصريين في الدفعة الأولى ، وضمن لهم عن عثمان الرضا . وفي رواية الواقدي أن محمد بن مسلمة ، كان يموت وعثمان محصور ، فيقال له : عثمان مقتول ، فيقول : هو قتل نفسه .

--> ( 1 ) الربذة : من قرى المدينة على ثلاثة أميال ، قريبة من ذات عرق ، على طريق الحجاز ، بها قبر أبي ذر الغفاري - واسمه جندب بن جنادة ، وقد كان خرج إليها مغاضبا لعثمان بن عفان رضي الله عنه ، فأقام بها إلى أن مات سنة 32 . ياقوت .