ابن أبي الحديد
20
شرح نهج البلاغة
وقد روى ( 1 ) الواقدي أن الشهود لما شهدوا عليه في وجهه ، وأراد عثمان أن يحده ألبسه جبة خز ، وأدخله بيتا ، فجعل إذا بعث إليه رجلا من قريش ليضربه ، قال له الوليد : أنشدك الله أن تقطع رحمي وتغضب أمير المؤمنين ! فلما رأى علي عليه السلام ذلك ، أخذ السوط ودخل عليه ، فجلده به . فأي عذر لعثمان في عزله وجلده بعد هذه الممانعة الطويلة ، والمدافعة الشديدة ! وقصة الوليد - مع الساحر الذي كان يلعب بين يديه ، ويغر الناس بمكره وخديعته ، وأن جندب بن عبد الله الأزدي امتعض من ذلك ودخل عليه فقتله ، وقال له : احي نفسك إن كنت صادقا ، وأن الوليد أراد أن يقتل جندبا بالساحر ، حتى أنكر الأزد ذلك عليه ، فحبسه وطال حبسه حتى هرب من السجن - معروفة مشهورة . فإن قيل : فقد ولى رسول الله صلى الله عليه وآله الوليد بن عقبة هذا صدقة بنى المصطلق ، وولاه عمر صدقة تغلب ، فكيف تدعون أن حاله في أنه لا يصلح للولاية ظاهرة ! قلنا : لا جرم ، إنه غر رسول الله صلى الله عليه وآله ، وكذب على القوم حتى نزلت فيه الآية التي قدمنا ذكرها ، فعزله . وليس خطب ولاية الصدقة مثل خطب ولاية الكوفة ، فأما عمر فإنه لما بلغه قوله : إذا ما شددت الرأس منى بمشوذ * فويلك منى تغب ابنة وائل ( 2 ) عزله . وأما عزل أمير المؤمنين عليه السلام بعض أمرائه لما ظهر من الحدث كالقعقاع ابن شور وغيره ، وكذلك عزل عمر قدامة بن مظعون لما شهد عليه بشرب الخمر ، وجلده له ، فإنه لا يشبه ما تقدم ، لان كل واحد ممن ذكرناه لم يول إلا من هو حسن الظاهر عنده وعند الناس ، غير معروف باللعب ولا مشهور بالفساد . ثم لما ظهر منه ما ظهر
--> ( 1 ) كذا في ا ، ج ، وفي ب والشافي : ( وروى ) . ( 2 ) اللسان 5 : 31 وروايته : ( والمشوذ : العمامة .