ابن أبي الحديد

15

شرح نهج البلاغة

ذلك ، لأنه بخلاف الدين ، ولا بد أن يقولوا : إن قتله ظلم ، وكذلك حبسه في الدار ، ومنعه من الماء ، فقد كان يجب أن يدفع القوم عن كل ذلك ، وأن يقال : إن من لم يدفعهم وينكر عليهم يكون مخطئا . وفي القول بأن الصحابة اجتمعوا على ذلك كلهم تخطئة لجميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ، وذلك غير جائز ، وقد علم أيضا أن المستحق للقتل والخلع لا يحل أن يمنع الطعام والشراب ، وعلم أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يمنع أهل الشام من الماء في صفين ، وقد تمكن من منعهم ، وكل ذلك يدل على كون عثمان مظلوما ، وأن ذلك من صنع الجهال ، وأن أعيان الصحابة كانوا كارهين لذلك . وأيضا فإن قتله لو وجب لم يجز أن يتولاه العوام من الناس ، ولا شبهة أن الذين أقدموا على قتله كانوا بهذه الصفة ، وإذا صح أن قتله لم يكن لهم ، فمنعهم والنكير عليهم واجب . وأيضا فقد علم أنه لم يكن من عثمان ما يستحق به القتل ، من كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان ، أو قتل نفس بغير حق ، وأنه لو كان منه ما يوجب القتل لكان الواجب أن يتولاه الامام ، فقتله على كل حال منكر ، وإنكار المنكر واجب . وليس لأحد أن يقول : إنه أباح قتل نفسه ، من حيث امتنع من دفع الظلم عنهم ، لأنه لم يمتنع من ذلك ، بل أنصفهم ، ونظر في حالهم ، ولأنه لو لم يفعل ذلك لم يحل لهم قتله ، لأنه إنما يحل قتل الظالم إذا كان على وجه الدفع ، والمروي أنهم أحرقوا بابه ، وهجموا عليه في منزله ، وبعجوه بالسيف والمشاقص ( 1 ) وضربوا يد زوجته لما وقعت عليه ، وانتهبوا متاع داره ، ومثل هذه القتلة لا تحل في الكافر والمرتد ، فكيف يظن أن الصحابة لم ينكروا ذلك ، ولم يعدوه ظلما ، حتى يقال إنه مستحق من حيث لم يدفع القوم عنه ! وقد تظاهر الخبر بما جرى من تجمع القوم عليه ، وتوسط أمير المؤمنين عليه السلام لأمرهم وأنه

--> ( 1 ) المشاقص : جمع مشقص ، وهو النصل العريض .