ابن أبي الحديد

105

شرح نهج البلاغة

قال نصر : ولما ( 1 ) قدم علي عليه السلام إلى الكوفة نزل على باب المسجد ، فدخل فصلى ، ثم تحول فجلس إليه الناس ، فسأل عن رجل من الصحابة كان نزل الكوفة ، فقال قائل : استأثر الله به ، فقال علي عليه السلام : إن الله تبارك وتعالى لا يستأثر بأحد من خلقه ، إنما أراد الله جل ذكره بالموت إعزاز نفسه ، وإذلال خلقه ، وقرأ : ( كنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ) ( 2 ) ، قال نصر : فلما لحقه عليه السلام ثقله قالوا : أننزل القصر ؟ فقال : قصر الخبال ، لا تنزلوا فيه ( 3 ) . * * * قال نصر : ودخل ( 4 ) سليمان بن صرد الخزاعي على علي عليه السلام ، مرجعه ( 5 ) من البصرة ، فعاتبه وعذله ، وقال له : ارتبت وتربصت وراوغت ، وقد كنت من أوثق الناس في نفسي ، وأسرعهم فيما أظن إلى نصرتي ، فما قعد بك عن أهل بيت نبيك ؟ وما زهدك في نصرتهم ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، لا تردن الأمور على أعقابها ، ولا تؤنبني بما مضى منها ، واستبق مودتي تخلص لك نصيحتي ، فقد بقيت أمور تعرف فيها عدوك من وليك . فسكت عنه ، وجلس سليمان قليلا ، ثم نهض ، فخرج إلى الحسن بن علي عليه السلام ، وهو قاعد في باب المسجد ، فقال : ألا أعجبك من أمير المؤمنين ، وما لقيت منه من التوبيخ والتبكيت ؟ فقال الحسن : إنما يعاتب من ترجى مودته ونصيحته ، فقال : لقد وثبت أمور ستشرع فيها القنا ، وتنتضى فيها السيوف ، ويحتاج فيها إلى أشباهي ، فلا

--> ( 1 ) كتاب صفين 8 . ( 2 ) سورة البقرة 28 . ( 3 ) صفين : ( لا تنزلونيه ) . ( 4 ) وقعة صفين 9 ( 5 ) وقعة صفين : ( بعد رجعته ) .