ابن أبي الحديد
78
شرح نهج البلاغة
من الشهوات ، وسلم لما عاداه الناس من العلوم والعبادات ، وبهم علم الكتاب ، لأنه لولاهم لما عرف تأويل الآيات المتشابهات ، ولأخذها الناس على ظواهرها فضلوا وبالكتاب علموا ، لان الكتاب دل عليهم ، ونبه الناس على مواضعهم ، نحو قوله : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) ( 1 ) . وقوله : ( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) ( 2 ) . وقوله : ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا ) ( 3 ) . ونحو ذلك من الآيات التي تنادي عليهم ، وتخطب بفضلهم ، وبهم قام الكتاب لأنهم قرروا البراهين على صدقه وصحة وروده من الله تعالى على لسان جبريل عليه السلام ولولاهم لم يقم على ذلك دلالة للعوام ، وبالكتاب قاموا ، أي باتباع أوامر الكتاب وآدابه قاموا ، لأنه لولا تأدبهم بآداب القرآن ، وامتثالهم أوامره ، لما أغنى عنهم علمهم شيئا ، بل كان وباله عليهم ، ثم قال : إنهم لا يرون مرجوا فوق ما يرجون ، ولا مخوفا فوق ما يخافون ، وكيف لا يكونون كذلك ومرجوهم مجاورة الله تعالى في حظائر قدسه ، وهل فوق هذا مرجو لراج ، ومخوفهم سخط الله عليهم وإبعادهم عن جنابه ، وهل فوق هذا مخوف لخائف .
--> ( 1 ) سورة فاطر 28 . ( 2 ) سورة الزمر 9 . ( 3 ) سورة البقرة 269 .