ابن أبي الحديد
37
شرح نهج البلاغة
الفاضلات وهي أول شهيدة في الاسلام ، وقد كانت قريش أخذت ياسرا وسمية وابنيهما ، وبلالا وخبابا وصهيبا فألبسوهم أدراع الحديد ، وصهروهم في الشمس حتى بلغ الجهد منهم كل مبلغ ، فأعطوهم ما سألوا من الكفر ، وسب النبي صلى الله عليه وآله ، ثم جاء إلى كل واحد منهم قومه بأنطاع الأدم فيها الماء فألقوهم فيها ، ثم حملوا بجوانبها ، فلما كان العشى جاء أبو جهل فجعل يشتم سمية ويرفث ، ثم وجاها بحربة في قبلها فقتلها ، فهي أول من استشهد في الاسلام ، فقال عمار للنبي صلى الله عليه وآله : يا رسول الله بلغ العذاب من أمي كل مبلغ ، فقال : ( صبرا يا أبا اليقظان ، اللهم لا تعذب أحدا من آل ياسر بالنار ) ، قال أبو عمر : وفيهم أنزل ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ) ( 1 ) . قال : وهاجر عمار إلى أرض الحبشة وصلى القبلتين ، وشهد بدرا والمشاهد كلها وأبلى بلاء حسنا ، ثم شهد اليمامة ، فأبلى فيها أيضا ، ويومئذ قطعت أذنه . قال : وذكر الواقدي عن عبد الله بن نافع ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمر ، قال : رأيت عمار بن ياسر يوم اليمامة على صخرة وقد أشرف يصيح : يا معشر المسلمين ، أمن الجنة تفرون ؟ أنا عمار بن ياسر ، هلموا إلى ، وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت ، فهي تذبذب وهو يقاتل أشد القتال . قال أبو عمر : وكان عمار طويلا أشهل ، بعيد ما بين المنكبين ، قال : وقد قيل في صفته : كان آدم طوالا مضطربا ، أشهل العينين ، بعيد ما بين المنكبين ، رجلا لا يغير شيبه .
--> ( 1 ) سورة النحل 106 .