ابن أبي الحديد

32

شرح نهج البلاغة

وكان الجاحظ يفسق عمر بن عبد العزيز ويستهزئ به ويكفره ، وعمر بن العزيز وإن لم يكن من الصحابة فأكثر العامة يرى له من الفضل ما يراه لواحد من الصحابة . وكيف يجوز أن نحكم حكما جزما إن كل واحد من الصحابة عدل ، ومن جملة الصحابة الحكم بن أبي العاص ! وكفاك به عدوا مبغضا لرسول الله صلى الله عليه وآله ! ومن الصحابة الوليد بن عقبه الفاسق بنص الكتاب ، ومنهم حبيب بن مسلمة الذي فعل ما فعل بالمسلمين في دولة معاوية ، وبشر بن أبي أرطاة عدو الله وعدو رسوله ، وفى الصحابة كثير من المنافقين لا يعرفهم الناس . وقال كثير من المسلمين : مات رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يعرفه الله سبحانه كل المنافقين بأعيانهم ، وإنما كان يعرف قوما منهم ، ولم يعلم بهم أحدا إلا حذيفة فيما زعموا ، فكيف يجوز أن نحكم حكما جزما إن كل واحد ممن صحب رسول الله أو رآه أو عاصره عدل مأمون ، لا يقع منه خطأ ولا معصية ، ومن الذي يمكنه أن يتحجر واسعا كهذا التحجر ، أو يحكم هذا الحكم ! قال : والعجب من الحشوية وأصحاب الحديث إذ يجادلون على معاصي الأنبياء ، ويثبتون إنهم عصوا الله تعالى ، وينكرون على من ينكر ذلك ، ويطعنون فيه ، ويقولون : قدري معتزلي ، وربما قالوا ملحد مخالف لنص الكتاب ، وقد رأينا منهم الواحد والمائة والألف يجادل في هذا الباب ، فتارة يقولون : إن يوسف قعد من امرأة العزيز مقعد الرجل من المرأة ، وتارة يقولون : إن داود قتل أوريا لينكح امرأته ، وتارة يقولون : إن رسول الله كان كافرا ضالا قبل النبوة ، وربما ذكروا زينب بنت جحش وقصة الفداء يوم بدر . فأما قدحهم في آدم عليه السلام ، وإثباتهم معصيته ومناظرتهم من يذكر ذلك