ابن أبي الحديد
24
شرح نهج البلاغة
وآله إلا استحلفته عليه ، أليس هذا اتهاما لهم بالكذب ! وما استثنى أحدا من المسلمين إلا أبا بكر على ما ورد في الخبر ، وقد صرح غير مرة بتكذيب أبي هريرة ، وقال : لا أحد أكذب من هذا الدوسي على رسول الله صلى الله عليه وآله . وقال أبو بكر في مرضه الذي مات فيه : وددت إني لم أكشف بيت فاطمة ولو كان أغلق على حرب ، فندم والندم لا يكون إلا عن ذنب . ثم ينبغي للعاقل أن يفكر في تأخر علي عليه السلام عن بيعه أبى بكر ستة أشهر إلى إن ماتت فاطمة ، فإن كان مصيبا فأبو بكر على الخطأ في انتصابه في الخلافة ، وإن كان أبو بكر مصيبا فعلى على الخطأ في تأخره عن البيعة وحضور المسجد ، ثم قال أبو بكر في مرض موته أيضا للصحابة : فلما استخلفت عليكم خيركم في نفسي - يعنى عمر - فكلكم ورم لذلك أنفه يريد ان يكون الامر له ، لما رأيتم الدنيا قد جاءت ، أما والله لتتخذن ستائر الديباج ونضائد الحرير ( 1 ) . أليس هذا طعنا في الصحابة ، وتصريحا بأنه قد نسبهم إلى الحسد لعمر ، لما نص عليه بالعهد ! ولقد قال له طلحة لما ذكر عمر للامر : ماذا تقول لربك إذا سألك عن عباده ، وقد وليت عليهم فظا غليظا ! فقال أبو بكر : أجلسوني أجلسوني ، بالله تخوفني ! إذا سألني قلت : وليت عليهم خير أهلك ، ثم شتمه بكلام كثير منقول ، فهل قول طلحة إلا طعن في عمر ، وهل قول أبى بكر إلا طعن في طلحة ! ثم الذي كان بين أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود من السباب حتى نفى كل واحد منهما الاخر عن أبيه وكلمه أبي بن كعب مشهورة منقولة : ما زالت هذه الأمة مكبوبة على وجهها منذ فقدوا نبيهم ، وقوله : ألا هلك أهل العقيدة ، والله ما آسى عليهم إنما آسى على من يضلون من الناس .
--> ( 1 ) الكامل للمبرد 1 : 7 .