ابن أبي الحديد

22

شرح نهج البلاغة

فإن قالوا عمر ما شتم ولا ضرب ، ولا أساء إلا إلى عاص مستحق لذلك ، قيل لهم : فكأنا نحن نقول : إنا نريد أن نبرأ ونعادي من لا يستحق البراءة والمعاداة ! كلا ما قلنا هذا ، ولا يقول هذا مسلم ولا عاقل . وإنما غرضنا الذي إليه نجري بكلامنا هذا أن نوضح أن الصحابة قوم من الناس لهم ما للناس ، وعليهم ما عليهم ، من أساء منهم ذممناه ، ومن أحسن منهم حمدناه ، وليس لهم على غيرهم من المسلمين كبير فضل إلا بمشاهدة الرسول ومعاصرته لا غير ، بل ربما كانت ذنوبهم أفحش من ذنوب غيرهم ، لأنهم شاهدوا الاعلام والمعجزات ، فقربت اعتقاداتهم من الضرورة ، ونحن لم نشاهد ذلك ، فكانت عقائدنا محض النظر والفكر ، وبعرضية الشبه والشكوك ، فمعاصينا أخف لأنا أعذر . ثم نعود إلى ما كنا فيه فنقول : وهذه عائشة أم المؤمنين ، خرجت بقميص رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت للناس : هذا قميص رسول الله لم يبل ، وعثمان قد أبلى سنته ، ثم تقول : اقتلوا نعثلا ، قتل الله نعثلا ، ثم لم ترض بذلك حتى قالت : أشهد أن عثمان جيفة على الصراط غدا . فمن الناس من يقول روت في ذلك خبرا ، ومن الناس من يقول هو موقوف عليها ، وبدون هذا لو قاله إنسان اليوم يكون عند العامة زنديقا . ثم قد حصر عثمان ، حصرته أعيان الصحابة ، فما كان أحد ينكر ذلك ، ولا يعظمه ولا يسعى في إزالته ، وإنما أنكروا على من أنكر على المحاصرين له ، وهو رجل كما علمتم من وجوه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ، ثم من أشرافهم ، ثم هو أقرب إليه من أبى بكر وعمر ، وهو مع ذلك إمام المسلمين ، والمختار منهم للخلافة ، وللامام حق على رعيته عظيم ، فإن كان القوم قد أصابوا فإذن ليست الصحابة في الموضع الذي وضعتها به العامة ، وإن كانوا ما أصابوا فهذا هو الذي نقول ، من أن الخطأ جائز على