ابن أبي الحديد
98
شرح نهج البلاغة
نظر بعض الصالحين إلى رجل يفحش في قوله ، فقال : يا هذا إنما تملي على حافظيك كتابا إلى ربك ، فانظر ما تودعه . كان يقال : مثل الدنيا والآخرة مثل ضرتين لبعل واحد ، إن أرضى هذه أسخط الأخرى . قيل لبعضهم : ما مثل الدنيا ؟ قال هي أقل من أن يكون لها مثل . دخل لص على بعض الزهاد الصالحين ، فلم ير في داره شيئا ، فقال له : يا هذا ، أين متاعك ؟ قال : حولته إلى الدار الأخرى . قيل للربيع بن خيثم : يا ربيع ، ما نراك تذم أحدا ! فقال : ما أنا عن نفسي براض ، فأتحول من ذمي إلى ذم الناس ، إن الناس خافوا الله على ذنوب العباد وأمنوه على ذنوبهم . قال عيسى بن موسى لأبي شيبة القاضي : لم لا تأتينا ؟ قال : إن قربتني فتنتني ، وإن أقصيتني أحزنتني ، وليس عندي ما أخافك عليه ، ولا عندك ما أرجوك له . من كلام بعض الزهاد : تأمل ذا الغنى ، ما أشد نصبه ، وأقل راحته ، وأخس من ماله حظه ، وأشد من الأيام حذره ! هو بين سلطان يتهضمه ، وعدو يبغي عليه ، وحقوق تلزمه ، وأكفاء يحسدونه ، وولد يود فراقه ، قد بعث عليه غناه من سلطانه العنت ، ومن أكفائه الحسد ، ومن أعدائه البغي ، ومن ذوي الحقوق الذم ، ومن الولد الملالة . ومن كلام سفيان الثوري : يا بن آدم ، جوارحك سلاح الله عليك ، بأيها شاء قتلك . ميمون بن مهران في قوله تعالى : " ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون " ( 1 ) ، قال : إنها لتعزية للمظلوم ، ووعيد للظالم .
--> ( 1 ) سورة إبراهيم 42 .