ابن أبي الحديد
64
شرح نهج البلاغة
فاخترت من طمعي دنيا على بصر * وما معي بالذي أختار برهان إني لأعرف ما فيها وأبصره * وفي أيضا لما أهواه ألوان لكن نفسي تحب العيش في شرف * وليس يرضى بذل العيش انسان فسار حتى قدم على معاوية ، وعرف حاجة معاوية إليه ، فباعده من نفسه ، وكايد كل واحد منهما صاحبه . فقال له معاوية يوم دخل عليه : أبا عبد الله ، طرقتنا في ليلتنا ثلاثة أخبار ليس فيها ورد ولا صدر ، قال : وما ذاك ؟ قال : منها أن محمد بن أبي حذيفة كسر سجن مصر فخرج هو وأصحابه ، وهو من آفات هذا الدين . ومنها أن قيصر زحف بجماعة الروم ليغلب على الشام . ومنها أن عليا نزل الكوفة ، وتهيأ للمسير إلينا . فقال عمرو : ليس كل ما ذكرت عظيما ، أما ابن أبي حذيفة ، فما يتعاظمك من رجل خرج في أشباهه أن تبعث إليه رجلا يقتله أو يأتيك به ، وإن قاتل لم يضرك ( 1 ) . وأما قيصر فأهد له الوصائف وآنية الذهب والفضة ، وسله الموادعة فإنه إليها سريع . وأما علي فلا والله يا معاوية ، ما يسوي العرب ( 2 ) بينك وبينه في شئ من الأشياء ، وإن له في الحرب لحظا ما هو لأحد من قريش ، وإنه لصاحب ما هو فيه إلا أن تظلمه . هكذا في رواية نصر بن مزاحم عن محمد بن عبيد الله ( 3 ) . وروى نصر ( 4 ) أيضا عن عمر بن سعد قال : قال : معاوية لعمرو : يا أبا عبد الله ، إني أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الذي عصى الله وشق عصا المسلمين ، وقتل الخليفة وأظهر الفتنة ، وفرق
--> ( 1 ) في وقعة صفين : " وإن فاتك لا يضرك " وفي الإمامة والسياسة : " وإن يقتل فلا يضرك " . ( 2 ) كذا في أ ، وصفين ، وفي ب : " ما يسوي العرب " . ( 3 ) وقعة صفين 39 - 40 ، وفي ب : " عبد الله " ، وصوابه من أ . ( 4 ) وقعة صفين 42 - 52 .