ابن أبي الحديد
59
شرح نهج البلاغة
فأنا أرضى وأبايع إذا بايعتم . أما والله يا بني هاشم ، إنكم الطوال الشجر الطيب الثمر . ثم إنه بايع أبا بكر ، وبلغت أبا بكر فلم يحفل بها ، واضطغنها عليه عمر ، فلما ولاه أبو بكر الجند الذي استنفر إلى الشام قال له عمر : أتولى خالدا وقد حبس عليك بيعته ، وقال لبني هاشم ما قال ! وقد جاء بورق من اليمن وعبيد وحبشان ودروع ورماح ! ما أرى أن توليه ، وما آمن خلافه فانصرف عنه أبو بكر ، وولى أبا عبيدة بن الجراح ، ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنه . واعلم أن الآثار والاخبار في هذا الباب كثيرة جدا ، ومن تأملها وأنصف ، علم أنه لم يكن هناك نص صريح ومقطوع به لا تختلجه الشكوك ولا تتطرق إليه الاحتمالات ، كما تزعم الامامية فإنهم يقولون إن الرسول ص نص على أمير المؤمنين ع نصا صريحا جليا ليس بنص يوم ( 1 ) الغدير ، ولا خبر المنزلة ( 2 ) ، ولا ما شابههما من الأخبار الواردة من طرق العامة وغيرها ، بل نص عليه بالخلافة وبإمرة المؤمنين ، وأمر المسلمين أن يسلموا عليه بذلك ، فسلموا عليه بها ، وصرح لهم في كثير من المقامات بأنه خليفة عليهم من بعده ، وأمرهم بالسمع والطاعة له . ولا ريب أن المنصف إذا سمع ما جرى لهم بعد وفاة رسول الله ص ، يعلم قطعا أنه لم يكن هذا النص ، ولكن قد سبق إلى النفوس والعقول أنه قد كان هناك تعريض وتلويح ، وكناية وقول غير صريح ، وحكم غير مبتوت ، ولعله ص كان يصده عن التصريح بذلك أمر يعلمه ، ومصلحة يراعيها ، أو وقوف ، مع إذن الله تعالى في ذلك . فأما امتناع على ع من البيعة حتى أخرج على الوجه الذي اخرج عليه فقد
--> ( 1 ) هو غدير خم ، موضع بين مكة والمدينة ، نقل المحب الطبري في الرياض النضرة ( 2 : 169 ) أن الرسول ع قال يوم غدير خم : " من كنت مولاه فعلي مولاه " . ( 2 ) يشير إلى حديث : " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " .