ابن أبي الحديد
46
شرح نهج البلاغة
ابن عوف ، قال : دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه الذي مات فيه ، فسلمت ، وسألته : كيف به ؟ فاستوى جالسا ، فقلت : لقد أصبحت بحمد الله بارئا ، فقال : أما إني على ما ترى لوجع ، وجعلتم لي معشر المهاجرين شغلا مع وجعي ، وجعلت لكم عهدا مني من بعدي ، واخترت لكم خيركم في نفسي ، فكلكم ورم ( 1 ) لذلك أنفه رجاء أن يكون الامر له ، ورأيتم الدنيا قد أقبلت ، والله لتتخذن ستور الحرير ونضائد الديباج ( 2 ) ، وتألمون ضجائع الصوف الأذربي ( 3 ) ، كأن أحدكم على حسك ( 4 ) السعدان . والله لان يقدم أحدكم فتضرب عنقه في غير حد لخير له من أن يسبح في غمرة لدنيا ، وإنكم غدا لأول ضال بالناس يجورون عن الطريق يمينا وشمالا ، يا هادي الطريق ، إنما هو البجر أو الفجر ( 5 ) . فقال له عبد الرحمن : لا تكثر على ما بك فيهيضك ( 6 ) ، والله ما أردت إلا خيرا ( 7 ) ، وإن صاحبك لذو خير ، وما الناس إلا رجلان : رجل رأى ما رأيت ، فلا خلاف عليك منه ، ورجل رأى غير ذلك ، وإنما يشير عليك برأيه . فسكن وسكت هنيهة . فقال عبد الرحمن : ما أرى بك بأسا والحمد لله ، فلا تأس على الدنيا ، فوالله إن علمناك إلا صالحا مصلحا . فقال : أما إني لا آسى إلا على ثلاث فعلتهن ، وددت أني لم أفعلهن ، وثلاث لم أفعلهن وددت أني فعلتهن ، وثلاث وددت أني سألت رسول الله ص عنهن : فأما الثلاث التي فعلتها ووددت أني لم أكن فعلتها ، فوددت أني لم أكن كشفت
--> ( 1 ) ورم أنفه : أي إمت لا من ذلك غضبا . ( 2 ) نضائد الديباج : واحدتها نضيدة ، وهي الوسادة وما ينضد من المتاع . ( 3 ) الأذربي : منسوب إلى أذربيجان . ( 4 ) السعدان : نبت كثير الحسك تأكله الإبل فتسمن عليه . ( 5 ) قال في الكامل : " وقوله : والله هو الفجر أو البجر ، يقول : إن انتظرت حتى يضئ لك الفجر الطريق أبصرت قصدك ، وإن خبطت الظلماء وركبت العشواء هجما بك على المكروه . ( 6 ) يهيضك ، أي ينعتك ويؤذيك ، وأصله في العظم إذا كسر بعد الجبور فإنه يكون أشد وجعا . ( 7 ) هذه آخر رواية المبرد - مع تصرف كثير في العبارة ، في الكامل 1 : 54 ، 55 - بشرح المرصفي .