ابن أبي الحديد

42

شرح نهج البلاغة

تلك الحال من حيث لم يظهر على الدين كله ، فإن كان الأول فهو مما لا يجوز خلاف عاقل فيه ، والعلم بجواز الموت على جميع البشر ضروري ، وليس يحتاج في حصول هذا العلم إلى تلاوة الآيات التي تلاها أبو بكر . وإن كان الثاني ، فأول ما فيه أن هذا الاختلاف لا يليق بما احتج به أبو بكر عليه من قوله : ( انك ميت ) ، لان عمر لم ينكر على هذا الوجه جواز الموت عليه وصحته ، وإنما خالف في وقته . فكان يجب أن يقول لأبي بكر : وأي حجه في هذه الآيات على ! فاني لم أمنع جواز موته ، وإنما منعت وقوع موته الان ، وجوزته في المستقبل ، والآيات إنما تدل على جواز الموت فقط ، لا على تخصيصه بحال معينه . وبعد ، فكيف دخلت هذه الشبهة البعيدة على عمر من بين سائر الخلق ! ومن أين زعم أنه سيعود فيقطع أيدي رجال وأرجلهم ! وكيف لم يحصل له من اليقين لما رأى من الواعية ( 1 ) وكآبة الخلق وإغلاق الباب وصراخ النساء ما يدفع به ذلك الوهم والشبهة البعيدة فلم يحتج إلى موقف . وبعد ، فيجب إن كانت هذه شبهته أن يقول في مرض النبي صلى الله عليه وآله - وقد رأى جزع أهله وخوفهم عليه الموت ، وقول أسامة صاحب الجيش : لم أكن لأرحل وأنت هكذا وأسأل عنك الركب ، يا هؤلاء لا تخافوا ولا تجزعوا ، ولا تخف أنت يا أسامة فان رسول الله صلى الله عليه لا يموت الان لأنه لم يظهر على الدين كله . وبعد ، فليس هذا من أحكام الكتاب التي يعذر من لا يعرفها على ما ظن المعتذر له ( 2 ) . ونحن نقول : إن عمر كان أجل قدرا من أن يعتقد ما ظهر عنه في هذه الواقعة ،

--> ( 1 ) الواعية : الصراخ على الميت . ( 2 ) الشافي 252 .