ابن أبي الحديد
35
شرح نهج البلاغة
من أن آخر يوم من شوال يسمى فلتة من حيث إن من لم يدرك فيه الثأر ، فإنه قول لا نعرفه ، والذي نعرفه انهم يسمون الليلة التي ينقضي بها آخر الأشهر الحرم ويتم ، فلتة ، وهي آخر ليلة من ليالي الشهر ، لأنه ربما رأى الهلال قوم لتسع وعشرين ولم يبصره الباقون ، فيغير هؤلاء على أولئك وهم غارون ( 1 ) ، فلهذا سميت تلك الليلة فلتة . على أنا قد بينا أن مجموع الكلام يقتضي ما ذكرناه من المعنى ، لو سلم له ما رواه عن أهل اللغة في احتمال هذه اللفظة . قال : وقد ذكر صاحب كتاب ، ، العين ، ، أن الفلتة الامر الذي يقع على غير إحكام ، فقد صح أنها موضوعة في اللغة لهذا ، وإن جاز الا تختص به ، بل تكون لفظة مشتركة . وبعد ، فلو كان عمر لم يرد بقوله توهين بيعة لابن أبي بكر ، بل أراد ما ظنه المخالفون لكان ذلك عائدا عليه بالنقص ، لأنه وضع كلامه في غير موضعه ، وأراد شيئا فعبر عن خلافة ، فليس يخرج هذا الخبر من أن يكون طعنا على لابن أبي بكر ، إلا بان يكون طعنا على عمر ( 2 ) * * * واعلم أنه لا يبعد ان يقال : إن الرضا والسخط ، والحب والبغض ، وما شاكل ذلك ، من الأخلاق النفسانية وإن كانت أمورا باطنه ، فإنها قد تعلم ويضطر الحاضرون إلى حصولها بقرائن أحوال تفيدهم العلم الضروري ، كما يعلم خوف الخائف وسرور المبتهج . وقد يكون الانسان عاشقا لآخر فيعلم المخالطون لهما ضرورة أنه يعشقه ، لما يشاهدونه من قرائن الأحوال ، وكذلك يعلم من قرائن أحوال العابد المجتهد في العبادة ، وصوم الهواجر وملازمة الأوراد ، وسهر الليل ، انه يتدين بذلك . فغير منكر أن يقول قاضي القضاة رحمه الله
--> ( 1 ) غارون : غافلون . ( 2 ) كتاب الشافي 244 مع اختصار وتصرف .