ابن أبي الحديد
330
شرح نهج البلاغة
أجمل الوجوه ، وإن كان بخلاف الظاهر ، بل ربما تبين الامر فيما يقع ( 1 ) منه من الافعال التي ظاهرها القبيح إلى أن تؤثر أحواله المقررة ، ونرجع بها عن ولايته ، ولهذا نجد كثيرا من أهل العدالة المتقررة لهم في النفوس ، ينسلخون منها حتى يلحقوا بمن لا تثبت له في وقت من الأوقات عدالة ، وإنما يكون ذلك بما يتوالى منهم ويتكرر من الافعال القبيحة الظاهرة . قال : فأما ما استشهد به من أن مثل مالك بن دينار لو شاهدناه في دار فيها منكر لقوي في الظن حضوره لأجل التغيير والانكار ( 2 ) ، أو على وجه الاكراه والغلط وأن غيره يخالفه في هذا الباب ، فصحيح لا يخالف ما ذكرناه ، لان مثل مالك بن دينار ، ممن تناصرت أمارات عدالته وشواهد نزاهته حالا بعد حال ، لا يجوز أن يقدح فيه فعل له ظاهر قبيح ، بل يجب لما تقدم من حاله أن نتأول فعله ، ونخرجه عن ظاهره إلى أجمل وجوهه . وإنما وجب ذلك لان الظنون المتقدمة أقوى وأولى بالترجيح والغلبة ، فنجعلها قاضية على الفعل والفعلين ، ولهذا متى توالت منه الافعال القبيحة الظاهرة وتكررت ، قدحت في حاله ، وأثرت في ولايته ، كيف لا يكون كذلك وطريق ولايته في الأصل هو الظن والظاهر ، ولا بد من قدح الظاهر في الظاهر ، وتأثير الظن في الظن على بعض الوجوه . قال : فأما قوله : فإن كل محتمل لو أخبرنا عنه وهو مما يغلب على الظن صدقه أنه فعله على أحد الوجهين ، وجب تصديقه ، فمتى عرف من حاله المتقررة في النفوس ما يطابق ذلك جرى مجرى الاخبار ( 3 ) ، فأول ما فيه أن المحتمل هو مالا ظاهر له من الافعال ، والذي يكون جواز كونه قبيحا كجواز كونه حسنا ، ومثل هذا الفعل لا يقتضى ولاية
--> ( 1 ) الشافي : ( فيما يرجع منه ) ( 2 ) الشافي : ( الاقرار ) . ( 3 ) الشافي : ( الاقرار ) .