ابن أبي الحديد
292
شرح نهج البلاغة
إنك تؤخذ بعدي وتصلب ، فإذا كان اليوم الثاني ابتدر منخراك وفمك دما ، حتى تخضب لحيتك ، فإذا كان اليوم الثالث طعنت بحربة يقضى عليك ، فانتظر ذلك . والموضع الذي تصلب فيه على باب دار عمرو بن حريث ، إنك لعاشر عشره أنت أقصرهم خشبه ، وأقربهم من المطهرة يعنى الأرض ولأرينك النخلة التي تصلب على جذعها ، ثم أراه إياها بعد ذلك بيومين ، وكان ميثم يأتيها ، فيصلى عندها ، ويقول : بوركت من نخله ، لك خلقت ، ولى نبت ، فلم يزل يتعاهدها بعد قتل علي ( ع ) ، حتى قطعت ، فكان يرصد جذعها ، ويتعاهده ويتردد إليه ، ويبصره ، وكان يلقى عمرو بن حريث ، فيقول له : إني مجاورك فأحسن جواري ، فلا يعلم عمرو ما يريد ، فيقول له : أتريد أن تشترى دار ابن مسعود ، أم دار ابن حكيم ؟ . قال : وحج في السنة التي قتل فيها ، فدخل على أم سلمة رضي الله عنها ، فقالت له : من أنت ؟ قال : عراقي ، فاستنسبته ، فذكر لها أنه مولى علي بن أبي طالب ، فقالت : أنت هيثم ، قال : بل أنا ميثم ، فقالت : سبحان الله ! والله لربما سمعت رسول الله ( ص ) يوصى بك عليا في جوف الليل ، فسألها عن الحسين بن علي ، فقالت : هو في حائط ( 1 ) له ، قال : أخبريه أنى قد أحببت السلام عليه ، ونحن ملتقون عند رب العالمين ، إن شاء الله ، ولا أقدر اليوم على لقائه ، وأريد الرجوع ، فدعت بطيب فطيبت لحيته ، فقال لها : أما إنها ستخضب بدم ، فقالت : من أنباك هذا ؟ قال : أنبأني سيدي ، فبكت أم سلمة ، وقالت له : إنه ليس بسيدك وحدك ، هو سيدي وسيد المسلمين ، ثم ودعته .
--> ( 1 ) الحائط : البستان .