ابن أبي الحديد
26
شرح نهج البلاغة
فأما حديث الفلتة ، فقد كان سبق من عمر ان قال : ان بيعة لابن أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها ، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه . وهذا الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف فيه حديث الفلتة ولكنه منسوق على ما قاله أولا ، ألا تراه يقول : فلا يغرن أمرا ان يقول : ان بيعة لابن أبي بكر كانت فلتة ، فلقد كانت كذلك ، فهذا يشعر بأنه قد كان قال من قبل : ان بيعة لابن أبي بكر كانت فلتة . وقد أكثر الناس في حديث الفلتة ، وذكرها شيوخنا المتكلمون ، فقال شيخنا أبو علي رحمه الله تعالى : الفلتة ليست الزلة والخطيئة ، بل هي البغتة وما وقع فجأة من غير روية ولا مشاورة ، واستشهد بقول الشاعر : من يأمن الحدثان بعد صبيرة القرشي ماتا ( 1 ) سبقت منيته المشيب وكان ميتته افتلاتا . يعنى بغتة . وقال شيخنا أبو علي رحمه الله تعالى ، ذكر الرياشي أن العرب تسمى آخر يوم من شوال فلتة من حيث إن كل من لم يدرك ثأره فيه فاته ، لأنهم كانوا إذا دخلوا في الأشهر الحرم لا يطلبون الثأر ، وذو القعدة من الأشهر الحرم ، فسموا ذلك اليوم فلتة لأنهم إذا أدركوا فيه ثارهم ، فقد أدركوا ما كان يفوتهم . فأراد عمر أن بيعة لابن أبي بكر تداركها بعد أن كادت تفوت . وقوله ( وقى الله شرها ) دليل على تصويب البيعة ، لان المراد بذلك أن الله تعالى دفع شر الاختلاف فيها .
--> ( 1 ) البيان في الكامل 3 . 61 - بشرح المرصفي .