ابن أبي الحديد
207
شرح نهج البلاغة
في أهل الشام أشد نكاية ، وأعظم وقعا ، فقد ملوا الحرب ، وكرهوا القتال ، وتضعضعت أركانهم . قال : فخرج رجل من أهل العراق على فرس كميت ذنوب ( 1 ) ، عليه السلاح لا يرى منه إلا عيناه ، وبيده الرمح ، فجعل يضرب رؤوس أهل العراق بالقناة ، ويقول : سووا صفوفكم رحمكم الله ! حتى إذا عدل الصفوف والرايات ، استقبلهم بوجهه ، وولى أهل الشام ظهره ، ثم حمد الله وأثنى عليه ، وقال : الحمد لله الذي جعل فينا ابن عم نبيه ، أقدمهم هجرة ، وأولهم إسلاما ، سيف من سيوف الله على أعدائه ، فانظروا إذا حمى الوطيس ( 2 ) ، وثار القتام ( 3 ) ، وتكسر المران ( 4 ) ، وجالت الخيل بالابطال ، فلا أسمع إلا غمغمة أو همهمة ، فاتبعوني وكونوا في أثري . ثم حمل على أهل الشام فكسر فيهم رمحه ، ثم رجع فإذا هو الأشتر . قال : وخرج رجل من أهل الشام ، فنادى بين الصفين : يا أبا الحسن ، يا علي ، أبرز إلي . فخرج إليه علي عليه السلام ، حتى اختلفت أعناق دابتيهما بين الصفين ، فقال : إن لك يا علي لقدما في الاسلام والهجرة ( 5 ) ، فهل لك في أمر أعرضه عليك ، يكون فيه حقن هذه الدماء ، وتأخر ( 6 ) هذه الحروب ، حتى ترى رأيك ؟ قال : وما هو ؟ قال : ترجع إلى
--> ( 1 ) الذنوب : الفرس الوافر الذنب . ( 2 ) الوطيس في الأصل : التنور ، أو حفرة تحتفر ويختبز فيها ويشوى . وقيل : الوطيس : شئ يتخذ مثل التنور يختبز فيه ، وقيل : هي تنور من حديد وبه شبه حر الحرب . وحمي الوطيس ، مثل يضرب للامر إذا اشتد . اللسان ( 8 : 142 ) . ( 3 ) القتام : الغبار . ( 4 ) المران : جمع مرانة ، وهي الرماح الصلبة اللدنة . ( 5 ) وقعة صفين : " وهجرة " . ( 6 ) وقعة صفين : " تأخير " .