ابن أبي الحديد

201

شرح نهج البلاغة

إني امرأة من العرب ، وهذه من العجم ، فقال : إني والله لا أجد في هذا الفئ فضلا على بني إسحاق . وروى معاوية بن عمار عن جعفر بن محمد عليهما السلام ، قال : ما اعتلج على علي عليه السلام أمران في ذات الله ، إلا أخذ بأشدهما ، ولقد علمتم أنه كان يأكل - يا أهل الكوفة - عندكم من ماله بالمدينة ، وإن كان ليأخذ السويق فيجعله في جراب ، ويختم عليه مخافة أن يزاد عليه من غيره . ومن كان أزهد في الدنيا من علي عليه السلام ! وروى النضر بن منصور ، عن عقبة بن علقمة ، قال : دخلت على علي عليه السلام ، فإذا بين يديه لبن حامض ، آذتني حموضته ، وكسر يابسة ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، أتأكل مثل هذا ! فقال لي : يا أبا الجنوب ، كان رسول الله يأكل أيبس من هذا ، ويلبس أخشن من هذا ، وأشار إلى ثيابه ، فإن أنا لم آخذ بما آخذ به خفت ألا ألحق به . وروى عمران بن مسلمة ، عن سويد بن علقمة ، قال : دخلت على علي عليه السلام بالكوفة ، فإذا بين يديه قعب لبن أجد ريحه من شدة حموضته ، وفي يده رغيف ، ترى قشار الشعير على وجهه ، وهو يكسره ، ويستعين أحيانا بركبته ، وإذا جاريته فضة قائمة على رأسه ، فقلت : يا فضة ، أما تتقون الله في هذا الشيخ ! ألا نخلتم دقيقه ؟ فقالت : إنا نكره أن نؤجر ويأثم ، نحن قد أخذ علينا ألا ننخل له دقيقا ما صحبناه - قال : وعلي عليه السلام لا يسمع ما تقول ، فالتفت إليها فقال : ما تقولين ؟ قالت : سله ، فقال لي : ما قلت لها ؟ قال : فقلت إني قلت لها : لو نخلتم دقيقه ! فبكى ، ثم قال : بأبي وأمي من لم يشبع ثلاثا متوالية ( من ) خبز بر حتى فارق الدنيا ، ولم ينخل دقيقه ، قال : يعني رسول الله صلى الله عليه وآله .