ابن أبي الحديد

196

شرح نهج البلاغة

مؤمن ، ولا يحبني كافر ، وقد خاب من حمل ظلما . والله لتصبرن يا أهل الكوفة على قتال عدوكم أو ليسلطن الله عليكم قوما أنتم أولى بالحق منهم ، فليعذبنكم ! أفمن قتله بالسيف تحيدون إلى موتة على الفراش ! والله لموتة على الفراش أشد من ضربة ألف سيف . قلت : ما أحسن قول أبي العيناء ، وقد قال له المتوكل : إلى متى تمدح الناس وتهجوهم ! فقال : ما أحسنوا وأساءوا . وهذا أمير المؤمنين عليه السلام ، وهو سيد البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، يمدح الكوفة وأهلها عقيب الانتصار على أصحاب الجمل ، بما قد ذكرنا بعضه ، وسنذكر باقيه ، مدحا ليس باليسير ولا بالمستصغر ، ويقول للكوفة عند نظره إليها : أهلا بك وبأهلك ! ما أرادك جبار بكيد إلا قصمه الله . ويثني عليها وعلى أهلها حسب ذمه للبصرة وعيبه لها ودعائه عليها وعلى أهلها ، فلما خذله أهل الكوفة يوم التحكيم ، وتقاعدوا عن نصره على أهل الشام ، وخرج منهم الخوارج ، ومرق منهم المراق ، ثم استنفرهم بعد فلم ينفروا ، واستصرخهم فلم يصرخوا ( 1 ) ، ورأي منهم دلائل الوهن ، وإمارات الفشل ، انقلب ذلك المدح ذما ( 2 ) ، وذلك الثناء استزاده وتقريعا وتهجينا . وهذا أمر مركوز في طبيعة البشر ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله كذلك ، والقرآن العزيز أيضا كذلك ، أثنى على الأنصار لما نهضوا ، وذمهم لما قعدوا في غزاة تبوك ، فقال : " فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله . . . " ( 2 ) الآيات ، إلى أن رضي الله عنهم ، فقال : " وعلى

--> ( 1 ) لم يصرخوا : لم يغيثوا . ( 2 ) سورة التوبة .