ابن أبي الحديد
172
شرح نهج البلاغة
قالوا : وهذا من باب الاستدراج اللطيف ، لان معاوية علم أنه إن أجابه بجواب يتضمن الدعوى ، لكونه خيرا من علي عليه السلام لم يلتفت أحد إليه ، ولم يكن له كلام يتعلق به ، لان آثار علي عليه السلام في الاسلام ، وشرفه وفضيلته تجل أن يقاس بها أحد ، فعدل عن ذكر ذلك إلى التعلق بما تعلق به ، فكان الفلج له . ذكر هذا الخبر نصر الله بن الأثير في كتابه المسمى ب " المثل السائر " في باب الاستدراج ( 1 ) . وعندي أن هذا خارج عن باب الاستدراج ، وأنه من باب الجوابات الاقناعية التي تسميها الحكماء الجدليات والخطابيات ، وهي أجوبة إذا بحث عنها لم يكن وراءها تحقيق ، وكانت ببادئ النظر مسكتة للخصم ، صالحه لمصادمته في مقام المجادلة . ومثل ذلك قول معاوية لأهل الشام حيث التحق به عقيل بن أبي طالب : يا أهل الشام ، ما ظنكم برجل لم يصلح لأخيه ! وقوله لأهل الشام : إن أبا لهب المذموم في القرآن باسمه ، عم علي بن أبي طالب . فارتاع أهل الشام لذلك ، وشتموا عليا ولعنوه . ومن ذلك قول عمر يوم السقيفة : أيكم يطيب نفسا أن يتقدم قدمين قدمهما رسول الله صلى الله عليه للصلاة ! ومن ذلك قول علي عليه السلام مجيبا لمن سأله : كم بين السماء والأرض ؟ فقال : دعوة مستجابة .
--> ( 1 ) المثل السائر 2 : 68 - 71 .