ابن أبي الحديد

159

شرح نهج البلاغة

قال أبو جعفر : وروي عن عامر الشعبي أنه قال : ما قتل عمر بن الخطاب حتى ملته قريش واستطالت خلافته ، وقد كان يعلم فتنتهم ، فحصرهم في المدينة وقال لهم : إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة انتشاركم في البلاد . وإن كان الرجل ليستأذنه في الغزو ، فيقول : إن لك في غزوك مع رسول الله صلى الله عليه ما يكفيك ، وهو خير لك من غزوك اليوم ، وخير لك من الغزو ألا ترى الدنيا ولا تراك . فكان يفعل هذا بالمهاجرين من قريش ، ولم يكن يفعله بغيرهم من أهل مكة ، فلما ولي عثمان الخلافة خلى عنهم ، فانتشروا في البلاد ، وخالطهم الناس ، وأفضى الامر إلى ما أفضى إليه ، وكان عثمان أحب إلى الرعية من عمر . * * * قال أبو جعفر : وكان أول منكر ظهر بالمدينة في خلافة عثمان حين فاضت الدنيا على العرب والمسلمين طيران الحمام والمسابقة بها ، والرمي عن الجلاهقات - وهي قسي البندق - فاستعمل عثمان عليها رجلا من بني ليث في سنه ثمان من خلافته ، فقص الطيور وكسر الجلاهقات . * * * وروى أبو جعفر ، قال : سال رجل سعيد بن المسيب عن محمد بن أبي حذيفة : ما دعاه إلى الخروج على عثمان ؟ فقال : كان يتيما في حجر عثمان ، وكان والي أيتام أهل بيته ومحتمل كلهم ، فسأل عثمان العمل ، فقال : ( 1 ) يا بني لو كنت رضا لاستعملتك ، قال : فأذن لي فأخرج فأطلب الرزق ( 1 ) ، قال : اذهب حيث شئت ، وجهزه من عنده ، وحمله وأعطاه ، فلما وقع إلى مصر كان فيمن أعان عليه ، لأنه منعه الامارة . فقيل له : فعمار بن ياسر ؟ قال :

--> ( 1 - 1 ) عبارة الطبري ، يا بني ، لو كنت رضا ، ثم سألتني العمل لاستعملتك ، ولكن لست هناك ، قال : فأذن لي ، فلأخرج فلأطلب ما يقوتني " .