ابن أبي الحديد
135
شرح نهج البلاغة
اجتمعوا ونظروا في أعمالك ، فوجدوك قد ركبت أمورا عظاما ، فاتق الله وتب إليه . فقال عثمان : انظروا إلى هذا ، تزعم الناس أنه قارئ ، ثم هو يجئ إلي فيكلمني فيما لا يعلمه ! والله ما تدري أين الله ! فقال عامر : بلى والله إني لأدري أن الله لبالمرصاد . ( 1 ) فأخرجه عثمان ، وأرسل إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وإلى معاوية وسعيد ابن العاص وعمرو بن العاص وعبد الله بن عامر - وكان قد استقدم الامراء من أعمالهم - فشاورهم ، وقال : إن لكل أمير وزراء ونصحاء ، وإنكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي ، وقد صنع الناس ما قد رأيتم ، وطلبوا إلي أن أعزل عمالي ، وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون ، فاجتهدوا رأيكم . فقال عبد الله بن عامر : أرى لك يا أمير المؤمنين أن تشغلهم عنك بالجهاد حتى يذلوا لك ، ولا تكون همة أحدهم إلا في نفسه ، وما هو فيه من دبر دابته ( 2 ) وقمل فروته . وقال سعيد بن العاص : أحسم عنك الداء ، واقطع عنك الذي تخاف ، إن لكل قوم قادة متى يهلكوا يتفرقوا ولا يجتمع لهم أمر . فقال عثمان : إن هذا لهو الرأي لولا ما فيه ، وقال معاوية : أشير عليك أن تأمر أمراء الأجناد فيكفيك كل رجل منهم ما قبله ، فأنا أكفيك أهل الشام . وقال عبد الله بن سعد : إن الناس أهل طمع ، فأعطهم من هذا المال ، تعطف عليك قلوبهم . فقال عمرو بن العاص : يا أمير المؤمنين ، إنك قد ركبت الناس ( 3 ) ببني أمية ، فقلت وقالوا ، وزغت وزاغوا ، فاعتدل أو اعتزل ، فإن أبيت فاعزم عزما ، وامض قدما .
--> ( 1 ) في الطبري : " فإن ربك بالمرصاد لك ، فأرسل عثمان إلى معاوية بن أبي سفيان . . " . ( 2 ) الدبرة ، بالتحريك : قرحة الدابة والبعير ، وجمعها دبر ، بفتحتين . ( 3 ) عبارة الطبري : " قد ركبت الناس بما يكرهون " .