ابن أبي الحديد
133
شرح نهج البلاغة
ليس في زماني أحد أقوى على ما أنا فيه مني ، ولقد رأى عمر بن الخطاب ذلك ، فلو كان غيري أقوى مني لم يكن عند عمر هوادة لي ولا لغيري ، ولم أحدث ( 1 ) ما ينبغي له أن أعتزل عملي ، فلو رأى ذلك أمير المؤمنين لكتب إلي ( بخط يده ) ( 2 ) فاعتزلت عمله ، فمهلا فإن في دون ما أنتم فيه ما يأمر فيه الشيطان وينهى . ولعمري لو كانت الأمور تقضى على رأيكم وأهوائكم ، ما استقام الامر لأهل الاسلام يوما ولا ليلة ، فعاودوا الخير وقولوه ، فإن الله ذو سطوات ، وإني خائف عليكم أن تتابعوا إلى مطاوعة الشيطان ومعصية الرحمن . فيحلكم ذلك دار الهون في العاجل والآجل . فوثبوا على معاوية فأخذوا برأسه ولحيته ، فقال : مه إن هذه ليست بأرض الكوفة ، والله لو رأى أهل الشام ما صنعتم بي ( وأنا إمامهم ) ( 2 ) ما ملكت أن أنهاهم عنكم حتى يقتلوكم ، فلعمري إن صنيعكم يشبه بعضه بعضا . ثم قام من عندهم ، وكتب إلى عثمان في أمرهم ( 3 ) ، فكتب إليه إن ردهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة . فردهم ، فأطلقوا ألسنتهم في ذمه وذم عثمان وعيبهما . فكتب إليه عثمان أن يسيرهم إلى حمص ، إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، فسيرهم إليها ( 4 ) . * * *
--> ( 1 ) ب . " ولا حدث " . ( 2 ) من الطبري . ( 3 ) ذكر الطبري كتاب معاوية إلى عثمان ، وهذا نصه : " بسم الله الرحمن الرحيم . لعبد الله عثمان أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان ، أما بعد ، يا أمير المؤمنين ، فإنك بعثت إلي أقواما يتكلمون بألسنة الشياطين وما يملون عليهم ، ويأتون الناس - زعموا - من قبل القرآن ، فيشبهون على الناس ، وليس كل الناس يعلم ما يريدون ، وإنما يريدون فرقة ، ويقربون فتنة ، قد أثقلهم الاسلام وأضجرهم ، وتمكنت رقى الشيطان من قلوبهم : فقد أفسدوا كثيرا من الناس ممن كانوا بين ظهرانيهم من أهل الكوفة ، ولست آمن إن أقاموا وسط أهل الشام أن يغروهم بسحرهم وفجورهم ، فارددهم إلى مصرهم ، فلتكن دارهم في مصرهم الذي نجم فيه نفاقهم ، والسلام " . ( 4 ) الطبري 5 : 89 - 90 .