ابن أبي الحديد

131

شرح نهج البلاغة

خلقه ، ثم ارتضى له أصحابا ، وكان خيارهم قريشا . ثم بنى هذا الملك عليهم ، وجعل هذه الخلافة فيهم ، فلا يصلح الامر إلا بهم ، وقد كان الله يحوطهم في الجاهلية وهم على كفرهم ، أفتراه لا يحوطهم وهم على دينه ! أف لك ولأصحابك ! أما أنت يا صعصعة ، فإن قريتك شر القرى ! أنتنها نبتا ، وأعمقها واديا ، وألأمها جيرانا ، وأعرفها بالشر ، لم يسكنها شريف قط ولا وضيع إلا سب بها ، نزاع الأمم وعبيد فارس . وأنت شر قومك ! أحين أبرزك الاسلام ، وخلطك بالناس ، أقبلت تبغي دين الله عوجا ، وتنزع إلى الغواية ! إنه لن يضر ذلك قريشا ولا يضعهم ، ولا يمنعهم من تأدية ما عليهم ، إن الشيطان عنكم لغير غافل ، قد عرفكم بالشر ، فأغراكم بالناس ، وهو صارعكم ، وإنكم لا تدركون بالشر أمرا إلا فتح عليكم شر منه وأخزى . قد أذنت لكم فاذهبوا حيث شئتم ، لا ينفع الله بكم أحدا أبدا ولا يضره ، ولستم برجال منفعة ولا مضرة ، فإن أردتم النجاة ، فالزموا جماعتكم ولا تبطرنكم النعمة ، فإن البطر لا يجر خيرا . اذهبوا حيث شئتم ، فسأكتب إلى أمير المؤمنين فيكم . وكتب إلى عثمان : إنه قدم علي قوم ليست لهم عقول ولا أديان ، أضجرهم العدل ، لا يريدون الله بشئ ، ولا يتكلمون بحجة ، إنما همهم الفتنة ، والله مبتليهم ثم فاضحهم ، وليسوا بالذين نخاف نكايتهم ، وليسوا الأكثر ممن له شغب ونكير . ثم أخرجهم من الشام ( 1 ) . * * * وروى أبو الحسن المدائني : أنه كان لهم مع معاوية بالشام مجالس طالت فيها المحاورات والمخاطبات بينهم ، وأن معاوية قال لهم في جملة ما قاله : إن قريشا قد عرفت أن أبا سفيان

--> ( 1 ) تاريخ الطبري 5 : 87 - 88 .