ابن أبي الحديد
108
شرح نهج البلاغة
قال : ونحو ذلك من الأبيات الشعرية قول أبي تمام : بسط الرجاء لنا برغم نوائب * كثرت بهن مصارع الآمال ( 1 ) فقال : " الآمال " عوض " الرجاء " قال أبو الطيب : إني لأعلم واللبيب خبير * أن الحياة - وإن حرصت - غرور ( 2 ) فقال : " خبير " ولم يقل : " عليم " . قال : وإنما حسن ذلك ، لأنه ليس بجواب ، وإنما هو كلام مبتدأ . قلت : الصحيح أن هذه الآيات ، وهي قوله تعالى : " نسوا الله فأنساهم أنفسهم " وما شابهها ليست من باب المقابلة التي نحن في ذكرها ، وأنها نوع آخر ، ولو سميت : المماثلة أو المكافأة لكان أولى ، والدليل على ذلك أن هذا الرجل حد المقابلة في أول الباب الذي ذكر هذا البحث فيه ، فقال : إنها ضد التجنيس ، لان التجنيس أن يكون اللفظ واحدا مختلف المعنى ، وهذه لا بد أن تتضمن معنيين ضدين ، وإن كان التضاد مأخوذا في حدها ، فقد خرجت هذه الآيات من باب المقابلة ، وكانت نوعا آخر . وأيضا فإن قوله تعالى : " ومكروا مكرا ومكرنا مكرا " ليس من سلك الآيات الأخرى ، لأنه بالواو ، والآيات الأخرى ، بالفاء ، والفاء جواب ، والواو ليست بجواب . وأيضا فإنا إذا تأملنا القرآن العزيز لم نجد ما ذكره هذا الرجل مطردا ، قال تعالى : " أما من استغنى . فأنت له تصدى . وما عليك ألا يزكى . وأما من جاءك يسعى . وهو يخشى . فأنت عنه تلهى ) ( 3 ) ، فلم يقل في الثانية : " وأما من جاءك يسعى . وهو فقير " . وقال تعالى : " فأما من أعطى واتقى . وصدق بالحسنى . فسنيسره لليسرى . وأما من
--> ( 1 ) ديوانه 3 : 151 . ( 2 ) ديوانه 2 : 128 . ( 3 ) سورة عبس 5 - 10 .