ابن أبي الحديد
88
شرح نهج البلاغة
وفرض الامر بالمعروف مصلحة للعوام ، لان الامر بالعدل والانصاف ورد الودائع ، وأداء الأمانات إلى أهلها ، وقضاء الديون ، والصدق في القول ، وإيجاز الوعد ، وغير ذلك من محاسن الأخلاق ، مصلحة للبشر عظيمة لا محالة . وفرض النهى عن المنكر ردعا للسفهاء ، كالنهي عن الظلم والكذب والسفه ، وما يجرى مجرى ذلك . وفرضت صلة الرحم منماة للعدد ، قال النبي صلى الله عليه وآله : ( صلة الرحم تزيد في العمر وتنمى العدد ) . وفرض القصاص حقنا للدماء ، قال سبحانه : ( ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب ) ( 1 ) . وفرضت إقامة الحدود إعظاما للمحارم ، وذلك لأنه إذا أقيمت الحدود امتنع كثير من الناس عن المعاصي التي تجب الحدود فيها ، وظهر عظم تلك المعاصي عند العامة فكانوا إلى تركها أقرب . وحرم شرب الخمر تحصينا للعقل ، قال قوم لحكيم : اشرب الليلة معنا ، فقال : أنا لا أشرب ما يشرب عقلي ، وفى الحديث المرفوع ( أن ملكا ظالما خير إنسانا بين أن يجامع أمه أو يقتل نفسا مؤمنة أو يشرب الخمر حتى يسكر ، فرأى أن الخمر أهونها ، فشرب حتى سكر ، فلما غلبه قام إلى أمه فوطئها ، وقام إلى تلك النفس المؤمنة فقتلها ) ، ثم قال عليه السلام : ( الخمر جماع الاثم ، الخمر أم المعاصي ) . وحرمت السرقة إيجابا للعفة ، وذلك لان العفة خلق شريف ، والطمع خلق دنئ ، فحرمت السرقة ليتمرن الناس على ذلك الخلق الشريف ، ويجانبوا ذلك الخلق الذميم ، وأيضا حرمت لما في تحريمها من تحصين أموال الناس .
--> ( 1 ) سورة البقرة 179 .