ابن أبي الحديد

63

شرح نهج البلاغة

إلى البراز مرارا ، فلم يقم إليه أحد ، فلما أكثر ، قام علي عليه السلام فقال : أنا أبارزه يا رسول الله ، فأمره بالجلوس ، وأعاد عمرو النداء والناس سكوت كان على رؤوسهم الطير ، فقال عمرو : أيها الناس ، إنكم تزعمون أن قتلاكم في الجنة وقتلانا في النار ، أفما يحب أحدكم أن يقدم على الجنة أو يقدم عدوا له إلى النار ! فلم يقم إليه أحد ، فقام علي عليه السلام دفعة ثانية وقال أنا له يا رسول الله ، فأمره بالجلوس ، فجال عمرو بفرسه مقبلا ومدبرا ، وجاءت عظماء الأحزاب فوقفت من وراء الخندق ومدت أعناقها تنظر ، فلما رأى عمرو أن أحدا لا يجيبه ، قال : ولقد بححت من النداء * بجمعهم : هل من مبارز ! ووقفت مذ جبن المشيع * موقف القرن المناجز إني كذلك لم أزل * متسرعا قبل الهزاهز إن الشجاعة في الفتى * والجود من خير الغرائز فقام علي عليه السلام فقال : يا رسول الله ، إئذن لي في مبارزته ، فقال : ادن ، فدنا فقلده سيفه ، وعممه بعمامته ، وقال : امض لشأنك ، فلما انصرف قال : ( اللهم أعنه عليه ) ، فلما قرب منه قال له مجيبا إياه عن شعره : لا تعجلن فقد أتاك * مجيب صوتك غير عاجز ذو نية وبصيرة * يرجو بذاك نجاة فائز إني لآمل أن أقيم * عليك نائحة الجنائز من ضربة فوهاء يبقى * ذكرها عند الهزاهز فقال عمرو : من أنت ! وكان عمرو شيخا كبيرا قد جاوز الثمانين ، وكان نديم أبى طالب بن عبد المطلب في الجاهلية ، فانتسب علي عليه السلام له وقال : أنا علي بن أبي طالب ، فقال : أجل ، لقد كان أبوك نديما لي وصديقا ، فارجع فإني لا أحب أن