ابن أبي الحديد

53

شرح نهج البلاغة

يدخل النار ، لأنه أتى بكبيرة أخرى نحو القتل والزنا والفرار من الزحف وأمثال ذلك ! والجواب أن معنى كلامه عليه السلام هو إن من قرأ القرآن فمات فدخل النار لأجل قراءته القرآن فهو ممن كان يتخذ آيات الله هزوا ، أي يقرؤه هازئا به ، ساخرا منه ، مستهينا بمواعظه وزواجره ، غير معتقد إنه من عند الله . فإن قلت : إنما دخل من ذكرت النار ، لا لأجل قراءته القرآن ، بل لهزئه به ، وجحوده إياه ، وأنت قلت : معنى كلامه إنه من دخل النار لأجل قراءته القرآن فهو ممن كان يستهزئ بالقرآن ! قلت : بل إنما دخل النار لأنه قرأه على صفه الاستهزاء والسخرية ، ألا ترى أن الساجد للصنم يعاقب لسجوده له على جهة العبادة والتعظيم ، وإن كان لولا ما يحدثه مضافا للسجود من أفعال القلوب لما عوقب . ويمكن أن يحمل كلامه عليه السلام على تفسير آخر ، فيقال إنه عنى بقوله : إنه كما كان ممن يتخذ آيات الله هزوا : إنه يعتقد أنها من عند الله ، ولكنه لا يعمل بموجبها كما يفعله الان كثير من الناس . قوله عليه السلام : ( التاط بقلبه ) أي لصق . ولا يغبه ، أي لا يأخذه غبا ، بل يلازمه دائما ، وصدق عليه السلام فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة ، وحب الدنيا هو الموجب للهم والغم والحرص والأمل والخوف على ما اكتسبه أن ينفد ، وللشح بما حوت يده ، وغير ذلك من الأخلاق الذميمة .